يعرف نبلاء البلاد بالأجلّاء ، أما أكثرهم اجلالا فكان في تلك الحقبة الشيخ درويش القوسي ، من سلالة عالم شهير ، يدعى قوس ، بنى جامعا جميلا في هذه المدينة .
ينتمي المفتي الحنفي إلى هذه الطبقة من النبلاء ، ويقال إن هذا المنصب لا يشغله إلا العلماء .
غير أن ذلك ليس ضروريا ، إذ قد يحل محله نائبا أو وكيلا . من ناحية أخرى تخضع لسلطة نقيب الشرفاء ، أو رئيس خلفاء محمد كلهم ، المقيمين في هذه المنطقة . لسنوات خلت ، اختار سليمان باشا أحد الأعيان ، كمفت شافعي ، فخضع له رئيس الاجل ، المدعو سعيد درويش ابن سعيد طالب ، الذي كان أجداده يرافقون قديما القوافل إلى حلب ، وهو يشغل اليوم منصب قائد للقوافل .
علما انه الأكثر شهرة بين الشيوخ . الذين تمر قوافلهم في هذه المنطقة ويدفعون الجزية له .
يتمتع الاجل بامتيازات كثيرة ، علاوة عن أخذ الحاكم بنصائحهم قبل اقدامه على اي عمل كان . فهم لا يدفعون شيئا من أرباح أرضهم ، خلافا للرعايا الآخرين الذين يرغمون على دفع الجزى على بساتين البلح ، مع العلم انها تشكل مصدر ثروتهم . ويحق لهم أيضا معاقبة الفلاحين ، رغم انهم ليسوا عبيدا عندهم . يخضع رجال الدين ، ومن بينهم ناظر المدرسة والناسخ ، لسلطة المفتي القضائية ، كما يخضع الأسياد والشرفاء لسلطة نقيب الشرفاء القضائية ، وهما يملكان سجونا خاصة بهما ، يزجان فيها الرعايا الذين يخالفون القانون . عندما يبني أحد الأعيان جامعا ، تحتفظ ذريته بحق إدارة هذا الجامع وصيانته ، مع اعلام الحاكم بذلك . وتعين رجال الدين في الجامع ، لكن ان تفنى عائلة باني المسجد ، أو يطالب أحدهم بحقه في هذا الملك ، حتى يتسلم المفتي الايرادات والمصاريف ويتحول بالتالي إلى متول . قال لي معلم اللغة ، الذي كان ناسخا أيضا ، ان من يقدم التقارير ومن يراجعها من بعده ، يجنيان امولا طائلة إذ يتقاسمان جزءا من الأرباح . سمعت المتمولين يشتكون من هذا الامر في مدن تركية أخرى ، حيث الجوامع تهدمت جزئيا ، إذ من الصعب صيانة الجوامع ان لم تتلق دوما مساعدات إضافية .
يتمتع الانكشاريون في البصرة كما في المدن التركية الأخرى ، بامتيازات كثيرة ، منها عدم معاقبتهم أو حبسهم عند اقترافهم الجرائم ، كبار ضباطهم يلازمون القرنة برفقة قادتهم ، بينما يعين صغار الضباط في فرقهم ، عناصر منحلة ، ممن يمارسون اللصوصية وغيرها من الأعمال المخلة بالأمن ، والتي تسيء للحاكم ولرعاياه من الطبقة الكادحة . علاوة عن ذلك ، لا يتخلى المتطوع عن عمله ، ويتقاضى راتبا شهريا ، ومبلغا آخر إضافيا لسهره على الأمن العام . غير انني لا أخال الانكشاري يغالي إلى هذا الحد إلا في غياب باشا بغداد . عند وفاة سليمان باشا ، لم يستطع الحاكم منع الانكشاريين ، من مهاجمة منازل المسيحيين ، والمسلمين الذين لم يطلبوا الحماية منهم . وغالبا ما يشتم أعضاء احدى الفرق ، المسلمين أو اتباع الديانات الأخرى ، الذي طلبوا
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 186
مساهمون: كارستن نيبور
ص١٨٦