والمسلمون كافة الجمال والثيران والنعاج . وبهذه المناسبة تلقى صاحب الدولة وغيره من أعيان المدينة عددا وافرا من النعاج والهدايا الأخرى ليلة 20 حزيران / يونيو ؛ فالعيد يدوم يومين أو ثلاثة تقفل خلالها الأسواق كلها ؛ وعلى القرويين أن يتزودوا بكل ما يحتاجونه عشية العيد . فابتعنا لخدمنا المسلمين ، الطحين والسكر والعسل لنصنع لهم قالبا من الحلوى ، فضلا عن نعجة صغيرة ؛ بعبارة أخرى استعدت البلدة كلها لاستقبال العيد . لكن قبيل غروب الشمس ، وصل مرسال يقول إن العيد قد أرجىء إلى اليوم التالي لأن القمر ظهر متأخرا في صنعاء . أما في المناطق التي لم تعلم شيئا عن الأمر الصادر من صنعاء فاحتفلت بالعيد في 21 حزيران / يونيو ، بينما راح سكان تعز يتأملون بحزن التحضيرات التي أعدوها . كما وأن البلدة لم تشهد حركة ملحوظة إلا عند غروب الشمس ؛ وعندئذ أطلقت ثلاث طلقات من مدافع باب الشيخ موسى وطلقتان من قصر قاهر للإعلان عن الاحتفال بالعيد في اليوم التالي .
في 23 حزيران / يونيو أطلقت المدافع طلقات جديدة حين غادر صاحب الدولة المدينة برفقة أتباعه قاصدا المصلى لتأدية الصلاة في الهواء الطلق ؛ وبعد حوالي ساعة سمعت طلقات مدفعية أخرى وعاد صاحب الدولة وأتباعه إلى المدينة . وانصرف الجنود إلى تأدية تحركاتهم التعبدية . كما اعتادوا أن يفعلوا كل نهار جمعة عند عودة صاحب الدولة من الجامع ، بينما راح أعيان البلاد يتدربون على حمل الرمح وهم على ظهر أحصنتهم . ولقد كان الأمير فرحان من لحية ماهرا جدا في هذه اللعبة ، كما سبق لي أن أشرت في « وصف شبه الجزيرة العربية » . وعاد بعدها الجميع إلى منزله وأكل اللحم ، ومضغ العشب وأشعل الطيب في منزله واستلقى على الأريكة ، وأشعل غليونه الطويل .
كانت إقامتنا في هذه المدينة خالية من المشاكل . وكنت أتمنى أن أقوم بجولات داخل هذه المملكة كما فعلت في بيت الفقيه . غير أنني لم أجازف بمغادرة المدينة ، نظرا للظروف الراهنة . ولما كنت قد قمت بدراسات فلكية في تعز ، ووضعت خارطة ورسما منظوريا لها ، لم يتبق لي سوى زيارة قصر قاهر . وكنت أتمنى ذلك بهدف نقل النقوش المنحوتة على باب الصناديق . أما السيد فورسكال فلم يفقد الأمل بعد زيارة جبل صابر . ولما كان صاحب الدولة يستقبلنا بالترحاب قرر السيد فورسكال أن يطلب منه ثانية السماح له بإحضار شيخ من جبل صابر ، لمرافقته في رحلة علمية إلى الجبل المذكور ، فضلا عن إعطائي الإذن بنقل النقوش التي تحدثت عنها آنفا . فاستجاب صاحب الدولة لمطلبينا ، بيد أنه عند منتصف الليل أبلغنا قرارا آخر . استدعي خادم صاحب دولة المخا ، وأبلغ أن سيده بعث رسالة إلى صاحب دولة تعز يطلب فيها عودتنا إلى مدينته ؛ فصدر لنا الأمر بالرحيل في 25 حزيران / يونيو وتذكرنا أن صاحب دولة المخا وعدنا بإبلاغنا رد الإمام بشأن ذهابنا إلى صنعاء . وعند الصباح الباكر ، كانت الجمال في انتظارنا عند الباب ؛ غير أننا رفضنا الانطلاق على الفور بحجة أننا لم نحزم أمتعتنا بعد . فغادر الجمالون المكان على أن يعودوا في وقت لاحق .
خطر لنا أن صاحب الدولة يحاول ابتزازنا للحصول على هدية قيّمة كتلك التي قدمناها لصاحب
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 311
مساهمون: كارستن نيبور
ص٣١١