ومخيّة أن المسلمين لا يعيرون هذه الأمة اهتماما ، كما أننا لا نعير اليهود اهتماما لذلك فضلنا أن لا نتقرب منه . قصدت برفقة السيد فورسكال منزل إسماعيل الذي استقبلنا بالترحاب ، وأمّن لنا منزلا لنقضي الليل فيه ؛ ورغم أنه مسلم ، قدم لنا شراب البانش ، الذي أنعشنا كثيرا خاصة وأننا لم نحتس الكحول منذ فترة طويلة . ولكن إسماعيل لم يذق البانش وأحضر لنا شخصا هنديا مرتدا عن الدين المسيحي ، يعمل تاجرا في المخا ، ويسرف كثيرا في شرب الكحول . وكنا على وشك أن نثمل برفقته لو لم نع أن الشراب قوي للغاية . غير أن إسماعيل شدّد على صداقته لنا ، وعرض علينا خدماته ، واقترح علينا حلق ذقنينا وارتداء ملابس أوروبية ، شأننا شأن الإنكليز الذين يحبون ممارسة التجارة في المخا ، وعدم التحدث بالعربية ، حتى لا يظن أحد أننا أصبحنا مسيحيين . لكننا حسبنا كلامه مزاحا . وبعد أن استشرناه حول الطريق الأسرع للوصول إلى صنعاء وغيرها من المدن الجبلية ، حذرنا من القيام بهذه الرحلة واصفا الجبليين بالفظّين والقليلي التهذيب ؛ وأضاف أن الإمام المسلم يعامل بازدراء من أتباع الديانات الأخرى .
والجدير ذكره أنني كنت أعرف اليمن أفضل من إسماعيل الذي لم ير من بلده سوى الطريق من المخا إلى مخيّة ؛ فأخبرته تفصيليا عن الرحلات التي قمنا بها ، بدءا من مخيّة ؛ وشكرته على استقباله الحسن لنا الذي لم نحظ بمثله في أي مكان آخر . غير أنه ادعى معرفته بسكان المخا أكثر منا ؛ وأكد لنا أن شعبها يكره الأوروبيين كرها شديدا ؛ ولكن والده يتمتع بمكانة مرموقة في المدينة ويستطيع أن يقدم لنا خدمات كثيرة .
كان إسماعيل يحب التقرب من الأجانب لمصلحته الشخصية ؛ ولعله انكب على تعلّم اللغة الهولندية من أجل هذه الغاية فحسب . وكتب والده عدة رسائل إلى باتافيا عبر المرتدين الهولنديين الذين كانوا في المخا ، واستطاع إقناع التجار الهولنديين بإرسال مركب لهم . فوصل هذا الأخير منذ سنتين تقريبا قبل عدة أشهر من وصول الإنكليز ؛ ولما كانت المرة الأولى التي يزور فيها الربان المخا ، قصد أولا منزل سيد صالح الذي أعطاه فكرة مريعة عن سكان هذه البلدة ، وخاصة البانيانيين منهم ؛ فشكر الهولندي الله لأنه وقع بين يدي رجل طيب إلى هذا الحد . واستأجر له سيد صالح منزلا ووضع ابنه في خدمته فأمن له كل ما يلزمه ، إلى حد أن الهولندي اعتمد كليا على سيد صالح وابنه . وحين أتى بعض التجار الهنود الذين يحسنون اللغة البرتغالية لزيارته طردوا من المنزل ؛ كما وأن الخدم الذين يتكلمون البرتغالية مع الربان كانوا يؤكدون له ادعاءات إسماعيل حول فظاظة سكان المخا ، خوفا من إسماعيل وأبيه لكي لا يتسببا في طردهم من عملهم . أما التجار العرب فلا يثيرون القلق ، لأنهم لا يحسنون إلا العربية وإسماعيل يترجم كلامهم كما يحلو له . فأخذ الهولندي عن سكان المخا فكرة سيئة للغاية حتى أنه كان يتفادى الخروج إلى الشارع خوفا من أن يأخذوه رهينة . وبقيت هذه الأفكار راسخة في ذهنه إلى حين وصول الإنكليز الذين أثبتوا له أنه وضع ثقته في أشخاص أشرار ؛ غير أنه كان قد تورط جدا مع إسماعيل وأبيه ، ولم يعد باستطاعته التنصل منهما ؛ ولا أظن أن تجار باتافيا سيرسلون مركبا آخر إلى المخا ، بعد وقوع ذاك الهولندي ضحية الخداع .
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 296
مساهمون: كارستن نيبور
ص٢٩٦