تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
ثم استهلّ شهر جمادى الآخرة . وفي عاشر الشهر خلع السّلطان على قاضي القضاة الباعوني باستمراره ، وجاءت نوّاب البلاد إلى مولانا السّلطان يقبّلوا أياديه الكريمة . ولمّا وصل جلبان نائب حلب إلى دمشق وطلع إليه وقبّل الأرض بين يديه ، وأنشد لسان حاله يقول شعرا :
قد زاد شوقي وحقّ اللّه يا سندي * إلى محيّاك يا سمعي ويا بصري وكلّ يوم مضى إن لم أراك به * فلست أحسب ذاك اليوم من عمري
فترحّب به وزاد إكرامه ، وخلع عليه وزاد إنعامه ، وردّه إلى بلده وأوعده بكلّ خير ، فردّ إلى حلب سريعا وقد جدّ في السّير ، وتواترت الأخبار في دمشق أن تمرلنك أخذ ماردين ، فخاف في دمشق الغني والمسكين ، فنسأل اللّه أن يردّ العاقبة إلى خير يا ربّ العالمين ! * * * ثم استهلّ شهر رجب . وفي هذا الشهر حضر سالم الدّوكاري أمير التّركمان ، وجاب معه التّقادم والهدايا ، وطلع إلى بين يدي السّلطان ، وقبّل الأرض بين يديه وقدّم التّقادم ، فخلع عليه السّلطان بنيابة جعبر ، فإنها على جانب الفرات ، وردّ إلى نيابته . وفي هذا الشّهر دار المحمل على عادته وأقلّ من عادته ، وقالوا النّاس إنه يدور مليح حتى يتفرّج عليه السّلطان . واحتفلت لفرجته النّاس ، وطلع خلاف ما قاسوا عليه ، وبقيت النّاس متعجّبين ، فإن النّاس ما كانوا منشرحين من جهة تمرلنك وأخباره . وفي هذا الشّهر عزل قاضي القضاة الباعوني ، وتولّى عوضه قاضي القضاة علاء الدّين ابن أبي البقاء ، فإنه أهلها كما كان أخوه وليّ الدّين قاضي قضاة الشّام فإنه من أكابر النّاس ويعرف أهل دمشق وأحوالهم ، وطيّ الجنبة ، كريم الكفّ ، سمح النّفس ، يعطي الفقير ويجبر الكسير ، ويحبّ الفقراء ويجيز الشّعراء ، ما له في الكرم نظير ، كما قال فيه لسان التقصير ، وأجاد حيث يقول شعرا :
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 267 | أحمد ايبش