تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
ثم استهلّ شهر رمضان المعظّم يوم الثلاثاء . وأما مماليك السّلطان فإنها طال عليهم المقام في دمشق ، وفرغت نفقاتهم . وأكثرهم في سكر وقحاب وغير ذلك ، فمنهم من باع خيله ومنهم من باع قماشه ، وانكشفت أحوالهم ، وجرى لهم كما قال المثل « 1 » : « عديم ووقع في سلّة تين » ! وتهتّكوا في دمشق غاية التهتّك ، وقد قال الصّادق المصدوق : « إذا لم تستحي
( Sic . )
فاصنع ما شئت » . وأكثرهم تغيّر عليه الماء والهواء ، فضعف منهم خلق كثير ، ومات منهم جماعة . وحصل للنّاس ضرر كثير من مماليك السّلطان وغيرهم ، فإنهم بقوا يطلعوا إلى بساتين النّاس وإلى البلاد القريبة الذي
( Sic . )
في الغوطة ، ويأخذوا التّبن والشّعير ، وأي من تكلّم قتلوه . اللهم فرّج عن المسلمين . وفي سابع عشرين الشهر توفي مشدّ شربخانة السّلطان « 2 » ، وكان أمير مائة [ ثم ] مقدّم ألف ، وخرج له جنازة كبيرة . وفقد من مماليك السّلطان ناس كثير وبلعتهم دمشق ، والسّلطان الملك الظاهر في القلعة المحروسة في أكل وشرب وهدايا وتقادم وانشراح ، والعدوّ المخذول قد راح صوب بلاد الرّوم . واطمأنّت قلوب النّاس وطابت قلوبهم ، وباعت النّاس واشتروا على المصريين ، ولطف اللّه تعالى بعباده . * * * ثم استهلّ شهر شوّال من السنة المذكورة ، وصلّى السّلطان صلاة العيد في الميدان الصغير ، وفرحت النّاس ودقّت البشائر ، والنّاس يتفرّجوا على السّلطان ، وردّ إلى القلعة والجيش كلهم ماشين قدّامه ، وطلع من باب السرّ « 3 » . فسبحان مالك الملوك ، لا إله إلا هو .
هامش
( 1 ) ما زال هذا المثل سائرا لدينا بدمشق باللفظ ذاته ، لاحظ بقاء التعابير حيّة . ( 2 ) المشدّ من مصطلحات العهد المملوكي وتعني : المدير العام ، ومشدّ الشربخانة كان هو المسؤول عن شراب السّلطان وبلاطه ، مع ما يتبع ذلك من ترتيب وآنية ومراسم . ( 3 ) كان الباب الغربي القديم لقلعة دمشق يستعمل لدخول وخروج السلاطين والنواب بصورة سريّة ، فلذلك كان يسمّى « باب السرّ » ، ومثل ذلك في قلعة حلب .