تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
وهي تقلّ قبة الرّصاص التي أمام المحراب المسمّاة بقبّة النسر ، كأنهم شبّهوا المسجد نسرا طائرا والقبّة رأسه ، وهي من أعجب مباني الدنيا ، ومن أي جهة استقبلت المدينة ، بدت لك قبّة النّسر ذاهبة في الهواء ، منيفة على جميع مباني البلد . وتستدير بالصحن بلاطات ثلاث من جهاته الشرقية والغربية والجوفية « 1 » ، سعة كل بلاط منها عشر خطا ، وبها من السّواري ثلاث وثلاثون ، ومن الأرجل أربع عشرة . وسعة الصحن مئة ذراع ، وهو من أجمل المناظر وأتمّها حسنا ، وبه يجتمع أهل المدينة بالعشايا ، فمن قارىء ومحدّث وذاهب ، ويكون انصرافهم بعد العشاء الأخيرة . وإذا لقي أحد كبرائهم من الفقهاء وسواهم صاحبا له أسرع كل منهما نحو صاحبه وحطّ رأسه . وفي هذا الصحن ثلاث من القباب إحداها في غربيّه وهي أكبرها ، وتسمّى قبة عائشة أم المؤمنين ، وهي قائمة على ثمان سوار من الرّخام مزخرفة بالفصوص والأصبغة الملونة مسقّفة بالرّصاص ، يقال إن مال الجامع كان يختزن بها . وذكر لي أن فوائد مستغلات الجامع ومجابيه نحو خمسة وعشرين ألف دينار ذهبا في كل سنة . والقبّة الثانية من شرقيّ الصحن على هيئة الأخرى إلا أنها أصغر منها قائمة على ثمان من سواري الرّخام ، وتسمى قبّة زين العابدين . والقبّة الثالثة في وسط الصحن ، وهي صغيرة مثمّنه من رخام عجيب محكم الإلصاق ، قائمة على أربع سوار من الرّخام الناصع ، وتحتها شباك حديد في وسطه أنبوب نحاس يمجّ الماء إلى علوّ ، فيرتفع ثم ينثني كأنه قضيب لجين ، وهم يسمونهم قفص الماء ، ويستحسن الناس وضع أفواههم فيه للشرب .
هامش
( 1 ) يريد بهذه البلاطات الأروقة المعمّدة ، وقوله : الجوفية ، يعني الشمالية .