تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣

دمشق

ووصلت يوم الخميس التاسع من شهر رمضان المعظّم عام ستة وعشرين إلى مدينة دمشق الشام . فنزلت منها بمدرسة المالكيّة المعروفة بالشرابيشيّة « 1 » . ودمشق هي التي تفضل جميع البلاد حسنا ، وتتقدّمها جمالا ، وكلّ وصف وإن طال فهو قاصر عن محاسنها ، ولا أبدع مما قاله أبو الحسين بن جبير رحمه اللّه تعالى في ذكرها ، قال « 2 » : جنّة المشرق ، ومطلع حسنه المؤنق المشرق ، وهي خاتمة بلاد الإسلام التي استقريناها ، وعروس المدن التي اجتليناها ، قد تحلّت بأزاهير الرياحين ، وتجلّت في حلل سندسيّة من البساتين ، وحلّت من موضوع الحسن بالمكان المكين ، وتزيّنت في منصّتها أجمل تزيين ، وتشرّفت بأن آوى اللّه تعالى المسيح وأمّه ، صلى اللّه عليهما ، منها إلى ربوة ذات قرار ومعين . ظلّ ظليل ، وماء سلسبيل ، تنساب مذانبه انسياب الأراقم بكل سبيل ، ورياض يحيي النفوس نسيمها العليل ، تتبرّج لناظريها بمجتلى صقيل ، وتناديهم : هلمّوا إلى معرّس للحسن ومقيل . قد سئمت أرضها كثرة الماء حتى اشتاقت إلى الظماء ، فتكاد تناديك بها الصّمّ الصّلاب :
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ .
قد أحدقت البساتين بها إحداق الهالة بالقمر ، واكتنفتها اكتناف الكمامة للزّهر ، وامتدّت بشرقيّها غوطتها الخضراء امتداد البصر ، فكلّ موضع لحظته بجهاتها الأربع نضرته اليانعة قيد النظر ، وللّه صدق القائلين عنها : إن كانت الجنّة في الأرض فدمشق لا شك فيها ، وإن كانت في السّماء فهي بحيث تسامتها وتحاذيها .
هامش
( 1 ) أوقفها حوالي عام 670 ه التاجر علي الشّرابيشي داخل باب الجابية ، زالت بحريق 1925 . ( 2 ) راجع رحلة ابن جبير ، طبعة دار صادر ببيروت 1964 ، ص 234 - 271 . ونشرت منها وصفه لدمشق في في كتابي هذا أعلاه ( رقم 37 ) .