وقال في رسالة أخرى : وما الذي نبغيه ، وأي أمل لا نطرحه ونلغيه ، بعد الحادثة الكبرى ، والمصيبة التي كل كبد لها حرّى ، وكل عين من أجلها عبرى ، لكن هو القضاء لا يردّ . وللّه الأمر من قبل ومن بعد
ومما قاله في ذلك من المنظوم قوله :
ما بال دمعك لاينى مدراره * أم مالقلبك لا يقرّ قراره
أللوعة بين الضلوع لظاعن * سارت ركائبه وشطّت داره
أم للشباب تقاذفت أوطانه * بعد الدنوّ وأخفقت أوطاره
أم للزمان أتى بخطب فادح * من مثل حادثه خلت أعصاره
بحر من الأحزان عبّ عبابه * وارتجّ ما بين الحشا زخّاره
في كلّ قلب منه وجد عنده * أسف طويل ليس تخبو ناره
أما بلنسية فمثوى كافر * حفّت به في عقرها كفّاره
زرع من المكروه حلّ حصاده * عند الغدوّ غداة لجّ حصاره
وعزيمة للشرك جعجع بالهدى * أنصارها إذ خانه أنصاره
قل كيف تثبت بعد تمزيق العدا * آثاره أم كيف يدرك ثاره
ما كان ذاك المصر الا جنّة * للحسن تجرى تحته أنهاره
طابت بطيب بهاره آصاله * وتعطّرت بنسيمه أشجاره
أمّا السرار فقد غداه وهل سوى * قمر السماء يزول عنه سراره
قد كان يشرق بالهداية ليله * والآن أظلم بالضلّال نهاره
ودجا به ليل الخطوب بصحبة * أعيا على أبصارنا أسفاره
ومما صدر عن الكاتب أبى عبد اللّه محمد بن الأبار في ذلك من رسالة :
وأما الأوطان المحبب عهدها بحكم الشباب ، المشبّب فيها بمحاسن الأحباب ، فقد ودعنا معاهدها وداع الأبد ، وأخنى عليها الذي أخنى على لبد أسلمها الاسلام وانتظمها الانتثار والاصطلام حين وقعت أنسرها الطائرة ، وطلعت أنحسها الغائرة ، فغلب على الجذل الحزن وذهب مع المسكن السكن .