اللغة كتابا جامعا ولا أبانوا موضوعات الأشياء بحقائقها ولا تحرّزوا من سوء العبارة وإبانة الشئ بنفسه وتفسيره بما هو أغرب منه وأنه تأمّل فوجد غير ابن سيده لا يقوم بهذا العمل وقال هذا القول في حق نفسه : « وكلّا عجم فوجدني أعتق تلك القداح جوهرا وأشرفها عنصرا وأصلبها مكسرا وأوفرها قسما وأعلاها عند الاجالة اسما فأهّلنى لذلك واستعملني فيه وأمرني باللزوم له والمثافنة عليه بعد أن هداني سواء السبيل إلى علم كيفية التأليف وأراني كيف توضع قوانين التصريف وعرّفنى كيف التخلّص إلى اليقين عند تخالج الأمر لما يعترض من الظنون من تعاضد وتعاند وعقد علىّ في ذلك ايجاز القول وتسهيله وتقريبه من الافهام بغاية ما يمكن فدعا منى إلى كل ذلك سميعا وأمر به مطيعا »
ومهما يكن ابن سيده مبالغا في بيان معارف الملك الموّفق مجاهد العامري على عادة علماء كل عصر في إطراء ملوكهم فلا شك في أن لذلك أصلا أصيلا وأن الملك الموفق مجاهدا العامري كان ملكا عالما جليلا . ثم ذكر ابن سيدة بعض فضائل المخصص فقال ان منها تقديم الأعم فالأعم على الأخص فالأخص والاتيان بالكليات قبل الجزئيات والابتداء بالجواهر والتقفية بالأعراض وتقديم كم على كيف وشدّة المحافظة على التقييد والتحليل قال : مثال ذلك ما وصفته في صدر هذا الكتاب حين شرعت في القول على خلق الانسان فبدأت بتنقّله وتكونه شيئا فشيئا ثم أردفت بكلية جوهره ثم بطوائفه وهي الجواهر التي تأتلف منها كليته ثم ما يلحقه من العظم والصغر ثم الكيفيات كالألوان إلى ما يتبعها من الأغراض والخصال الحميدة والذميمة ا ه وقال إنه كان قد صنف كتابه المحكم مجنسا ليدل الباحث على مظنّة الكلمة المطلوبة فأراد هذه المرة أن يعدل به كتابا يضعه على الأبواب أي على المواضيع لأنه رأى ذلك أجدى فإنه إذا كانت للمسمّى أسماء كثيرة وللموصوف أوصاف عديدة تنقّى الخطيب والشاعر منها ما أراد واتسعا في ما يحتاجان اليه من سجع أو قافية على مثال البساتين تجمع أنواع الرياحين فإذا دخلها الانسان أهوت يده إلى ما استحسنته حاستا نظره وشمّه .
وقال على المصنفين في اللغة قبله انهم إذا أعوزتهم الترجمة لاذوا بأن يقولوا
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية — صفحة 468
مساهمون: شكيب أرسلان
ص٤٦٨