في علومه وانما كان يعتمد في أكثره على جودة طبعه وقوة قريحته يدل على ذلك قوله في قصيدة له :
من كان ينفق من سواد كتابه * فأنا الذي من نور قلبي أنفق « 1 »
هامش
( 1 ) يظهر أن ابن اللبانة كان على نمط صاحبنا محمود سامى باشا البارودي سيد شعراء المحدثين الذي بلغ في الشعر الدرجة التي لم يكن فوقها وذلك دون أن يقرأ كتابا من كتب القواعد العربية بل بمجرد صفاء القريحة ومطالعة شعر الأولين . قال الشيخ حسين المرصفي في كتابه « الوسيلة الأدبية للعلوم العربية » وهو خير كتاب في بابه ما يلي : فتقرر بجميع ما سلف أنه لا طريق لتعليم صناعة الانشاء الّا حفظ كلام الغير وفهمه وتمييز مقاصده وها أنا مستشهد على ذلك بما هو حاضر معنا في هذا العصر المخالف بالكلية للعصور التي كان أمر الشعر والكتابة الصناعية قائما فيها ورغبات الملوك وأعيان الأمراء فيها متوفرة إذ كانت الدولة عربية وأمراؤها من العرب أو من غيرهم وهم مضطرون لاتقان معرفة لسانهم حسب ما كانت تبعث الحاجة اليه ويتوقف تحصيل الأغراض عليه وبتغير الدولة تتغير الأحوال فان الكتابة الصناعية بلسان الدولة القائمة بالغة درجتها باللسان العربي أو أعلى كما تسمعه من العارفين بطرائف اللسانين ومحاسن اللغتين وليس يقوى أمر كما هو بديهي إلا بحسب قوة الحاجة اليه ، هذا الأمير الجليل ذو الشرف الأصيل والطبع البالغ نقاؤه والذهن المتناهى ذكاؤه محمود سامى البارودي لم يقرأ كتابا في فن من فنون العربية غير أنه لما بلغ سن التعقل وجد من طبعه ميلا إلى قراءة الشعر وعمله فكان يستمع بعض من له دراية وهو يقرأ بعض الدواوين حتى تصور في برهة يسيرة هيئات التراكيب العربية ومواقع المرفوعات منها والمنصوبات والمخفوضات حسب ما تقتضيه المعاني والتعلقات المختلفة فصار يقرأ ولا يكاد يلحن وسمعته مرة يسكّن ياء المنقوص والفعل المعتل بها المنصوبين فقلت له في ذلك فقال هو كذا في قول فلان وأنشد شعرا لبعض العرب فقلت تلك ضرورة وقال علماء العربية انها غير شاذة . ثم اشتغل بقراءة دواوين مشاهير الشعراء