ولما خلع المعتمد على اللّه وأخرج من إشبيلية لم يزل أبو بكر هذا يتقلّب في البلاد إلى أن لحق بجزيرة ميورقة وبها مبشّر العامري المتلقب بالناصر فحظى عنده وعلت حاله معه وله فيه قصائد أجاد فيها ما شاء فمنها قصيدة ركب فيها طريقة لم أسمع بها لمتقدم ولا لمتأخر وذلك أنه جعلها من أولها إلى آخرها صدر البيت غزل وعجزه مدح وهذا لم أسمع به لأحد وأول القصيدة :
وضحت وقد فضحت ضياء النير * فكأنما التحفت ببشر مبشر
وتبسمت عن جوهر فحسبته * ما قلدته محامدى من جوهر
وتكلمت فكأن طيب حديثها * متعت منه بطيب مسك اذفر
هزّت بنغمة لفظها نفسي كما * هزّت بذكراه أعالي المنبر
أذنبت فاستغفرتها فجرت على * عاداته في المذنب المستغفر
جادت علىّ بوصلها فكأنه * جدوى يديه على المقل المقتر
ولثمت فاها فاعتقدت بأنني * من كفه سوّغت لثم الخنصر
سمحت بتعنيفى فقلت صنيعة * سمحت علاه بها فلم تتعذر
نهد كقوة قلبه في معرك * وحشا كلين طباعه في محضر
ومعاطف تحت الذوائب خلتها * تحت الخوافق ماله من سمهرى
حسنت أمامى في خمار مثل ما * حسن الكمىّ أمامه في مغفر
وتوشحت فكأنه في جوشن * قد قام عثيره مقام العنبر
هامش
من العرب وغيرهم حتى حفظ الكثير منها دون كلفة واستثبت جميع معانيها ناقدا شريفها من خسيسها واقفا على صوابها وخطأها مدركا ما كان ينبغي وفق مقام الكلام وما لا ينبغي ثم جاء من صنعة الشعر اللائق بالأمراء ولشعر الأمراء كأبى فراس والشريف الرضى والطغرائى تميز عن شعر الشعراء كما ستراه . ومصداق ذلك ما سألقيه عليك من قصائد أنشأها « إلى آخر ما قال »
ومن أراد أن يعلم هل البارودي سيد الشعراء في العصر الأخير فعليه بمطالعة ديوانه