البيانية مأخذها فشاهدنا من أمره عجبا ، صعد بوعظه أنفاس الحاضرين سحبا ، وأسال من دمعهم وابلا سكبا ، ثم جعل يردد في آخر مجلسه أبياتا من النسيب شوقا زهديا وطربا ، إلى أن غلبته الرقة فوثب من أعلى منبره والها مكتئبا وغادر الكل متندما على نفسه منتجعا لهفان ينادى يا حسرتا واحربا والنادبون يدورون بنحيبهم دور الرحا ، وكل منهم بعد من سكرته ما صحا ، فسبحان من خلقه عبرة لأولى الألباب ، وجعله لتوبة عباده أقوى الأسباب لا إله سواه ( ثم نرجع إلى ذكر بغداد ) هي كما ذكرناه جانبان شرقي وغربى ودجلة بينهما فأما الجانب الغربى فقد عمّه الخراب واستولى عليه وكان المعمور أولا وعمارة الجانب الشرقي محدثة لكنه مع استيلاء الخرابّ عليه يحتوى على سبع عشرة محلة كل محلة منها مدينة مستقلة ، وفي كل واحدة منها الحمامان والثلاثة والثماني منها بجوامع يصلى فيها الجمعة فأكبرها القرية وهي التي نزلنا فيها بربض منها يعرف بالمربعة على شط دجلة بمقربة من الجسر فحملته دجلة بمدها السيلى فعاد الناس يعبرون بالزوارق والزوارق فيها لا تحصى كثرة ، فالناس ليلا ونهارا من تمادى العبور فيها في
هامش
ثلاثمائة ذراع قد علّق من جانبيه نحو من عشرة آلاف درقة وخوذة وبيضة ودرع وردية وجعبة محلاة وقسىّ وقد أقيم نحو ألفي خادم بيضا وسودا صفين يمنة ويسرة .
ثم أخرجوا بعد أن طيف بهم ثلاثة وعشرين قصرا وذلك إلى الصحن التسعينى وفيه الغلمان الحجرية بالسلاح الكامل والبزة الحسنة ، وفي أيديهم الشروخ والطبرزينات والأعمدة ، ثم مرّوا بمصاف من عليّة السواد من خلفاء الحجاب وأصاغر القواد ودخلوا دار السّلام وكانت عدة كثيرة من الخدم والصقالبة في كل من القصور يسقون الناس الماء المبرّد بالثلج والأشربة والفقّاع ، ومنهم من كان يطوف مع الرسل ولطول المشي بهؤلاء جلسوا واستراحوا في سبعة مواضع واستسقوا الماء فسقوا . وكان أبو عمر عدى ابن أحمد بن عبد الباقي الطرسوسي رئيس الثغور الشامية من قبل الخليفة يطوف معهم وعليه قباء أسود وسيف ومنطقة ووصلوا إلى حضرة المقتدر باللّه وهو جالس في قصر التاج مما يلي دجلة وكان الخليفة على سرير أبنوس قد فرش بالدّببقى المطرز بالذهب ومن يمنة السرير تسعة عقود من اللآلئ مثل السبح معلقة ومن يسرته تسعة أخرى من أفخر الجواهر