بين صفحتين أو العقد المنتظم بين لبتين ، فهي تردها ولا تظمأ ، وتتطلع منها في مرآة صقيلة لا تصدأ والحسن الحريمىّ بين هوائها ومائها ينشأ من ذلك على شهرة في البلاد معروفة موصوفة ففتن الهوى - الا أن يعصم اللّه منها - مخوفة ، وأما أهلها فلا تكاد تلقى منهم إلا من يتصنع بالتواضع رياء ويذهب بنفسه عجبا وكبرياء ، يزدرون الغرباء ويظهرون لمن دونهم الأنفة والاباء ويستصغرون عمن سواهم الأحاديث والأنباء ، قد تصور كل منهم في معتقده وخلده ان الوجود كله يصغر بالإضافة لبلده فهم لا يستكرمون في معمور البسيطة مثوى غير مثواهم ، كأنهم لا يعتقدون ان للّه بلادا أو عبادا سواهم ، يسحبون أذيالهم أشرا أو بطرا ، ولا يغيرون في ذات اللّه منكرا ، يظنون أن أسنى
هامش
كانت انحطت عن درجتها السابقة فلم تكن تعادل شطرا من بغداد فضلا عن أن تعادل بغداد كلها . وكذلك كانت القسطنطينية في عصر عظمة بغداد مدينة عظيمة ولكنها لم تبلغ في العظمة ما بلغته بغداد ولا نصف ما بلغته بغداد في القرنين الأولين من بنائها ، ولا نعلم هل كان في الصين والهند لذلك العهد حواضر تعادل بغداد أم لا لكننا نرجح النفي لأنه لو كان وجد فيهما أو في إحداهما مدينة تعادل بغداد لكان انتشر خبرها ولكانت قوبلت ببغداد لأن العرب كانوا على اتصال مستمر بالهند والصين وكانت السفن تختلف بين البصرة وسيراف وكنتون وغيرها من مرافئ الصين كما تختلف اليوم بين شربورغ ونيويورك مثلا . ومما يفتخر به الاسلام كون بغداد مدينة اسلامية محضة عمرها المسلمون بأيديهم ولم يرثوها عن أمة سابقة وكانت حضارتها اسلامية من أولها إلى آخرها ولم تبلغ بلدة في الاسلام ما بلغته دار السّلام من عظمة وسعة وثروة ونعمة ومنعة وقوة ، وجميع مدن الاسلام التي اشتهرت في التاريخ كدمشق وحلب والقاهرة والقيروان وفاس ومراكش وقرطبة وغرناطة والبصرة وأصفهان وسمرقند وفي الأعصر الأخيرة استانبول لم تصل إلى درجة بغداد بل كانت رديفا لبغداد . وقرطبة التي كانت في القرون الوسطى أعظم حاضرة في أوربة كانت في أيام عظمتها هذه تعادل نصف بغداد أو كما قال ابن حوقل فيما أتذكر تعادل أحد جانبي بغداد . نقل الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب صاحب تاريخ بغداد في الصفحة الأولى من الجزء الأول عن عبد العزيز بن أبي الحسن القرمسينى عن عمر بن أحمد بن أبي بكر النيسابوري أنه قال :