على محامل من الأعواد يسمونها القشاوات وهي كالتوابيت المجوفة هي لركابها من الرجال والنساء كالأمهدة للأطفال تملأ بالفرش الوثيرة ويقعد الراكب فيها مستريحا كأنه في مهاد لين فسيح وبإزائه معادله أو معادلته في مثل ذلك من الشقة الأخرى والقبة مضروبة عليهما فيسار بهما وهما نائمان لا يشعران أو كيف ما أحبا فعند ما يصلان إلى المرحلة التي يحطان بها ضرب سرادقهما للحين إن كانا من أهل الترفّه والتنعم فيدخل بهما إلى السرادق وهما راكبان وينصب لهما كرسي ينزلان عليه فينتقلان من ظل قبة المحمل إلى قبة المنزل دون واسطة هواء يلحقهما ولا خطفة شمس تصيبهما وناهيك من هذا الترفيه فهؤلاء لا يلقون لسفرهم وان بعدت شقته نصبا ولا يجدون على طول الحل والترحال تعبا . ودون هؤلاء في الراحة راكبوا المحارات وهي شبيهة بالشقادف التي تقدم وصفها في ذكر صحراء عيذاب لكن الشقادف أبسط وأوسع وهذه أضمّ وأضيق وعليها أيضا ظلائل تقى حر الشمس ومن قصرت حاله عنها في هذه الأسفار فقد حصل على نصب السفر الذي هو قطعة من العذاب
( وله في ذكر مدينة السّلام بغداد حرسها اللّه تعالى )
هذه المدينة العتيقة وان لم تزل حضرة الخلافة العباسية ومثابة الدعوة الأمامية القرشية الهاشمية قد ذهب أكثر رسمها ولم يبق منها إلا شهير اسمها ، وهي بالإضافة إلى ما كانت عليه قبل انحاء الحوادث عليها والتفات أعين النوائب إليها كالطلل الدارس والأثر الطامس أو تمثال الخيال الشاخص « 1 » فلا حسن فيها يستوقف البصر ويستدعى من المستوفز العقلة والنظر إلا دجلتها التي هي بين شرقيها وغربيها منها كالمرآة المجلوة
هامش
( 1 ) عندما ذهب ابن جبير إلى بغداد في أيام الخليفة الناصر العباسي كانت بغداد غير بغداد الأولى التي أجمع المؤرخون على أنها بقيت مدة قرنين إلى ثلاثة بالأقل أغظم مدينة في العالم لا أعظم مدينة في الاسلام فقط ، فان رومة في عصر عمران بغداد