لنا ولجميع أهل الملة الحنيفية بالوفاة على الاسلام ، وأوزعنا حمدا بحق هذه النعمة وشكرا وجعلها للمعاد لنا ذخرا ووفّانا عليها ثوابا من لديه وأجرا يرجى بفضله وكرمه انه لا يضيع لديه أيام اتخذ لصيامها ماء زمزم فطرا انه الحنان المنان لا رب سواه وإليك هذا المثال الآخر من أمثلة بيان ابن جبير الساحر الذي كله طبقة واحدة وانما نختار منه كيفما اتفق . قال :
والقبلة في عرفات هي إلى مغرب الشمس لأن الكعبة المقدسة في تلك الجهة منها فأصبح يوم الجمعة المذكور في عرفات جمعا لا شبيه له الا الحشر لكنه ان شاء اللّه تعالى حشر للثواب مبشر بالرحمة والمغفرة يوم الحشر للحساب زعم المحققون من الأشياخ المجاورين انهم لم يعاينوا قط في عرفات جمعا أحفل منه ولا أرى كان من عهد الرشيد الذي هو آخر من حج من الخلفاء جمع في الاسلام مثله جعله اللّه جمعا مرحوما معصوما بعزته ، فلما جمع بين الظهر والعصر يوم الجمعة المذكور وقف الناس خاشعين باكين وإلى اللّه عز وجل في الرحمة متضرعين والتكبير قد علا وضجيج الناس بالدعاء قد ارتفع فما رؤى يوم أكثر مدامع ولا قلوبا خواشع ولا أعناقا لهيبة اللّه خوانع خواصع من ذلك اليوم فما زال الناس على تلك الحالة والشمع تلفح وجوههم إلى أن سقط قرصها وتمكن وقت المغرب وقد وصل أمير الحاج مع جملة من جنده الدارعين ووقفوا بمقربة من الصخرات عند المسجد الصغير المذكور وأخذ السرو « 1 » اليمنيون مواقفهم بمنازلهم المعلومة لهم في جبال عرفات المتوارثة عن جد فجد من عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا تتعدى قبيلة على منزل أخرى وكان المجتمع منهم في هذا العام عددا لم يجتمع قط مثله . وكذلك وصل الأمير العراقي في جمع لم يصل قط مثله ووصل معه من أمراء الأعاجم الخراسانيين ومن النساء العقائل المعروفات بالخواتين واحدتهن خاتون ومن السيدات بنات الأمراء كثير ومن سائر العجم عدد يحصى فوقف الجميع وقد جعلوا قدوتهم في النفر الامام المالكي لأن مذهب مالك رضى اللّه عنه يقتضى ان لا ينفر حتى
هامش
( 1 ) السرو ما ارنفع عن السهل وانحطّ عن غلظ الجبل وقد أطلقه الكاتب على اليمانين من الحجاج لأنهم ينزلونه من قديم الزمان في صعود الحج إلى عرفة