تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
منبره فاستوى مبتسما وأشار على الحاضرين مسلما وقعد بين يديه قراء فابتدروا القراءة على لسان واحد فلما أكملوا عشرا من القرآن قام الخطيب فصدع بخطبته يحرك لها أكثر النفوس من جهة الترجيع لا من جهة التذكير والتخشيع ، وبين يديه في درجات المنبر نفر يمسكون أنوار الشمع في أيديهم ويرفعون أصواتهم بيارب يا رب عند كل فصل من فصول الخطبة يكررون ذلك والقراء يبتدرون القراءة في أثناء ذلك فيسكت الخطيب إلى أن يفرغوا ثم يعود لخطبته وتمادى فيها منصرفا في فنون من التذكير ، وفي أثنائها اعترضه ذكر البيت العتيق كرمه اللّه فحسر عن ذراعيه مشيرا ، اليه وأردفه بذكر زمزم والمقام فأشار اليهما بكلتا أصبعيه ثم ختمها بتوديع الشهر المبارك وترديد السّلام عليه ، ثم دعا للخليفة ولكل من جرت العادة بالدعاه له من الأمراء ثم نزل وانفض ذلك الجمع العظيم وقد استطرف ذلك الخطيب واستنبل . وان لم تبلغ الموعظة من النفوس ما أمل ، والتذكرة إذا خرجت من اللسان لم تتعد مسافة الآذان . ثم ذكر أن المعينين من ذلك الجمع كالقاضي وسواه خصّوا بطعام حفيل وحلواء على عادتهم في مثل هذا المجتمع وكانت لأبى الخطيب في تلك الليلة نفقة واسعة في جميع ما ذكر ، ثم كانت ليلة خمس وعشرين فكان المختتم فيها الامام الحنفي وقد أعد ابنا له لذلك سنه نحو من سن الخطيب الأول المذكور فكان احتفال الامام الحنفي لابنه في هذه الليلة عظيما أحضر فيه من ثريات الشمع أربعا مختلفات الصنعة منها مشجرة مغصّنة مثمرة بأنواع الفواكه الرطبة واليابسة ، ومنها غير مغصّنة فصففت امام حطيمه وتوّج الحطيم بخشب وألواح وضعت أعلاه وجلل ذلك كله سرجا ومشاعيل وشمعا فاستنار الحطيم كله حتى لاح في الهواء كالتاج العظيم من النور ، وأحضر الشمع في أنوار الصفر ووضع المحراب العودى المشرجب فجلل دائره الأعلى كله شمعا وأحدق الشمع في الأطوار به فاكتنفته هالات من نور ونصب المنبر قبالته مجللا أيضا بالكسوة الملونة واحتفال الناس لمشاهدة هذا المنظر النير أعظم من الاحتفال الأول فختم الصبى المذكور ثم برز من محرابه إلى منبره يسحب أذيال الخفر في أثواب رائقة المنظر قسوّر منبره وأشار بالسلام على الحاضرين وابتدأ خطبته بسكينة ولين ، ولسان عن حالة الحياة مبين ، فكأن الحال على طفولتها كانت