إسماعيل بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن عامر بن مطرّف بن ذي النون ، وحظى عنده وكان أحد مدبّرى دولته ، ولقيته فيها بعد ذلك ، في صدر دولة المأمون ذي المجد يحيى بن الظافر بن إسماعيل بن ذي النون ، وقد ترك قراءة العلم ، وأقبل على قراءة القرآن ، ولزوم داره ، والانقباض عن الناس ، فلقيت منه رجلا عالما ، جميل الذكر والمذهب ، حسن السيرة ، نظيف الثياب ، ذا كتب جليلة ، في أنواع الفلسفة ، وضروب الحكمة . وتبينت منه أنه قد قرأ الهندسة وفهمها ، والمنطق وضبط كثيرا منه . ثم أعرض عن ذلك ، وتشاغل بكتب جالينوس وجمعها ، وتناولها بتصحيحه ومعاناته ، فحصل له بتلك العناية فهم كثير منها . ولم يكن له دربة في علاج المرضى ، ولا طبيعة نافذة في فهم الأمراض . وتوفى عند صلاة الصبح يوم الثلاثاء أول رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة ، وعمره خمس وسبعون سنة اه .
ثم ترحم القاضي صاعد الوزير أبا المطرّف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الكبير ابن يحيى بن واقد بن مهنّد اللخمي ، قال عنه : أحد أشراف أهل الأندلس وذوى السلف الصالح منهم ، والسالفة القديمة فيهم ، عنى عناية بالغة بقراءة كتب جالينوس وتفهمها ، ومطالعة كتب أرسطاطاليس ، وغيره من الفلاسفة ، وتمهّر في علوم الأدوية المفردة ، حتى ضبط منها ما لم يضبط أحد في عصره . وألّف فيها كتابا جليلا لا نظير له جمع فيه ما تضمنه كتاب ديوسفوريدوس ، وكتاب جالينوس المؤلفين في الأدوية المفردة ، ورتبه أحسن ترتيب . وهو مشتمل على قريب من خمسمائة ورقة ، وأخبرني عنه أنه عانى جمعه ، وحاول ترتيبه ، وتصحيح ما ضمّنه من أسماء الأدوية وصفاتها ، وأودعه إياه من تفصيل قواها ، وتحديد درجاتها ، من عشرين سنة ، حتى كمل موافقا لغرضه ، مطابقا لبغيته . وله في الطب منزع لطيف ، ومذهب نبيل . وذلك أنه لا يرى التداوي بالأدوية ، ما أمكن التداوي بالأغذية ، أو ما كان قريبا منها ، فإذا دعت الضرورة إلى الأدوية فلا يرى التداوي بمركّبها ، ما وصل إلى التداوي بمفردها .
فان اضطر إلى المركّب لم يكثر التركيب . بل اقتصر على أقل ما يمكن منه . وله نوادر
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية — صفحة 40
مساهمون: شكيب أرسلان
ص٤٠