تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
الأشخاص المجدون هنا في المدينة المنورة هم أولئك الحجاج المعدمون ، وبخاصة السوريون منهم ، الذين يكثر وجودهم هنا في مدينة الرسول ، والذين يحاولون عن طريق العمل الدءوب ، طوال أشهر قلائل ، جمع مبلغ من المال يفي بنفقات عودتهم إلى بلادهم . هؤلاء الحجاج المعدمين يعملون فترات متقطعة فقط ، وإذا ما غادروا المدينة المنورة أو رحلوا عنها ، خلت من الحرفيين فترة طويلة من الزمن . أثناء مقامي في المدينة المنورة ، لم يكن فيها سوى رجل واحد هو الذي كان يناقش المشكلات العائلية ؛ وعندما ترك ذلك الرجل المدينة المنورة ، على حد تعبير نساء الجزيرة العربية ، تعين على الحجاج الأجانب مناقشة مشاكلهم بأنفسهم . ومع مثل هذه الظروف يتعذر على الرجال العثور على أبسط سبل الراحة ، بل إن النقود نفسها لا يمكن لها هنا أن تلبى احتياجات الإنسان . ومع ذلك ، هنا طائفة من الرجال سبقت الإشارة إليها وأنا أتناول مكة بالوصف ، هؤلاء الرجال على استعداد لتقديم الخدمات للآخرين . هؤلاء الرجال هم الحجاج الذين يأتون من إفريقيا ؛ إنهم قلة قليلة من الزنوج ، أو أن شئت فقل التكارنة على حد تسمية الناس لهم ، والذين يأتون إلى مكة ، دون أن يزوروا المدينة المنورة التي هي في نظرهم أكثر وقارا وتقديرا عن مكة المكرمة . المذهب المالكي الذي يعتنقه هؤلاء الزنوج ، يضع احترام ( سيدنا ) محمد صلى اللّه عليه وسلم في منزلة أسمى من المنزلة التي تضعه فيها المذاهب الثلاثة الأخرى ، هؤلاء الزنوج يقتربون من قبر محمد صلى اللّه عليه وسلم بضمائر مرتاعة وخائفة ، وبمشاعر تختلف عن المشاعر التي تعتريهم عندما يزورون الكعبة ، وهم مقتنعون تماما ، أن الدعاء الذي يرددونه أمام شباك الحجرة لا بد أن يستجاب إن آجلا أم عاجلا . سألني أحد هؤلاء الزنوج ذات مرة ، بعد حوار قصير دار بيني وبينه ، عما إذا كنت أعرف ذلك الدعاء الذي إذا ما دعا به المسلم ، رأى محمدا صلى اللّه عليه وسلم في المنام ، لأنه كان يود أن يسأله سؤالا واحدا ، وعندما أعربت له عن جهلي بهذا الموضوع قال لي : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم ظهر لعدد كبير من أهل بلده . هؤلاء الزنوج هم الذين يزودون المدينة المنورة بالحطب الذي يجمعونه من الجبال المجاورة للمدينة ، ويبيعونه بمبالغ لا بأس بها ، وإذا ما غاب هؤلاء الزنوج عن المدينة المنورة ، أو إذا ما قل عددهم في المدينة ، عجز الناس عن الحصول على الحطب حتى إن
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 167 | جان لوئيس بوركهارت