تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
فضلا عن الأوقاف المتعددة ، أو المؤسسات الخيرية ، التي تتبع البلدان والمساجد في سائر أنحاء الإمبراطورية التركية . الصرّة يساء استعمالها في الوقت الراهن ، ولا تستخدم إلا في إطعام مجموعة البشر العاطلين تماما ، في حين يظل الفقراء على فقرهم المدقع ، فضلا عن عدم تشجيع الصناعة بأي شكل من الأشكال . فيما يتعلق بالافتقار إلى الصناعة نجد أن المدينة المنورة هي الأكثر افتقارا إليها عن مكة . المدينة المنورة بحاجة ماسة إلى الحاجيات الميكانيكية التي لا غنى عنها ، يزاد على ذلك أن القلة القليلة التي تعيش هنا كلها من الأجانب ، وهي تقيم في المدينة المنورة لآجال محددة . المدينة المنورة كلها ليس فيها سوى منجد واحد ، وعامل مفاتيح واحد ، والنجارون والبناءون شحيحون تماما ، الأمر الذي يضطر الناس إلى إحضار بنائين ونجارين من ينبع إذا ما أرادوا ترميم منزل من المنازل . والمسجد النبوي إذا ما احتاج بعض العمال ، فيجرى إحضارهم من مصر ( القاهرة ) ، بل ومن إسطنبول في بعض الأحيان ، وهذا في ضوء ذلك الذي شاهدته طوال مقامي في المدينة ، وذلك عندما جرى إحضار بناء من إسطنبول لإصلاح سقف المبنى . يزاد على ذلك ، أن مصر هي التي تزود المدينة المنورة بكل احتياجاتها بما في ذلك السلع التافهة أيضا . عندما كنت في المدينة المنورة لم يكن بالإمكان عمل جرار الماء التي تصنع من الفخار . منذ سنوات قليلة قام مواطن دمشقي بإنشاء صناعة لإنتاج الأواني الفخارية التي لا غنى عنها ، لكن هذا الدمشقي ترك المدينة المنورة ، الأمر الذي اضطر سكان المدينة إلى شرب الماء من جرار مكسورة ، خلفها ذلك الدمشقي وراءه ، أو عن طريق جلب تلك الأواني من مكة بتكاليف كبيرة . لم يكن في المدينة المنورة صناعة صباغة ، أو مصنوعات صوفية ، أو أنوال نسيج ، أو مدابغ للجلود ، أو أعمال جلدية ، أو مشغولات حديدية من أي نوع كان ، يزاد على ذلك ، أن المسامير وحدوات الخيول يجرى جلبها من كل من مصر وينبع . في روايتي عن مكة ، عزوت عزوف أهل الحجاز عن الحرف اليدوية إلى كراهيتهم واستيائهم من العمل اليدوى بكل أشكاله ، لكن هذه الملاحظة لا تنطبق على المدينة المنورة ، حيث الناس أكثر جدية - على الرغم من تكاسلهم عن إصلاح أراضيهم - واستعدادهم للقيام ببعض الحرف والأعمال اليدوية ، دون بذل جهد بدني أكبر من الجهد