تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
الذي يبذلونه في حقولهم . وأنا أميل إلى القول : إن افتقار المدينة المنورة إلى الحرف اليدوية ، يعزى إلى تقليل أهل الجزيرة العربية من شأن هذه الحرف اليدوية والحط من قيمتها ، وسبب ذلك أن فخر أهل الجزيرة العربية وتباهيهم أقوى بكثير من جشعهم وحبهم للمال ، وهذا الفخر والتباهى هو الذي يمنع الآباء من تعليم أبنائهم أية حرفة من هذا القبيل . هذا العزوف يرثه أهل المدينة المنورة عن السكان القدامى ، البدو بصفة خاصة ؛ نظرا لأن هؤلاء البدو ، كما سبق أن قلت ، يستبعدون ، وإلى يومنا هذا ، الحرف اليدوية كلها من قبائلهم التي ينتمون إليها ، فضلا عن نظرة هؤلاء البدو إلى أولئك الذين يستقرون في مخيمهم ، باعتبارهم من سلالة أو عرق متدن ، الأمر الذي يمنع هؤلاء البدو من الاختلاط بهؤلاء الناس أو حتى الزواج منهم . مثل هؤلاء الناس يقيّمهم البعض في مناطق أخرى من الشرق تقييما مختلفا ، وبخاصة في سوريا ، وفي مصر اللتين يجرى فيهما تقدير هذه الحرف تقديرا كبيرا ، واحترامها مثلما كان الحال عليه في كل من فرنسا وألمانيا خلال العصور الوسيطة . في هذه البلاد تجد الأسطى في حرفة من الحرف مساويا من حيث المرتبة والاحترام لتاجر من تجار الطبقة الثانية ، هذا يعنى أن هذا الحرفي بوسعه الزواج من بنات الأسر المحترمة في المدينة ، وعادة ما يكون صاحب نفوذ في المنطقة التي يقيم فيها ، عن تاجر تكون ثروته ثلاثة أضعاف ما يملكه ذلك الحرفي نفسه . بذل الأباطرة الأتراك قصارى جهودهم للعناية بالصناعة والفنون ، وقبل خمسين عاما كانوا لا يزالون منتعشين في كل من سوريا ومصر ؛ الحرفيون في سوريا الآن على وشك الانقراض ، اللهم باستثناء دمشق ، وفي مصر تدنى حال هؤلاء الحرفيين إلى أدنى المستويات ؛ والسبب في ذلك أنه على الرغم من أن محمد على باشا يستعمل بعض الإنجليز والإيطاليين في تسيير وإنجاز الخدمات فإن هؤلاء العمال الإنجليز والإيطاليين يعملون لحساب محمد على ، الأمر الذي لا يجعل أحدا منهم يشعر بالرواج ، يضاف إلى ذلك أن محمد على باشا يجبر الصناعة الوطنية ، عن طريق الاحتكار ( احتكار المنتج ) من ناحية ، واستخدام القسم الأكبر من العمالة لحسابه من الناحية الأخرى على ما يجعلهم يتقاضون عائدا يقل بنسبة ثلاثين في المائة عما ينبغي أن يتقاضوه ، إذا ما سمح لهم بالعمل لحسابهم ، أو في القطاع الخاص .
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 166 | جان لوئيس بوركهارت