الذين حصلوا على شئ من التعليم ، ويستطيعون القراءة والكتابة ، على القيام في حيواتهم برحلة شحاذة أو استجداء مرة أو مرتين إلى تركيا . هذه النوعية من الشحاذين عادة ما تذهب إلى إسطنبول ، التي يحصلون فيها من الحجاج الأتراك ، الذين سبق لهم التعرف عليهم عندما كانوا في المدينة المنورة ، وبعضهم حمل رسائل تزكية تقدم هؤلاء الشحاذين إلى أعيان إسطنبول ، وتبرر فقرهم ، حتى يحصلوا على هدايا ضخمة وعطايا كبيرة من المال والثياب ، وذلك من باب تقدير هذه النوعية من البشر باعتبارهم من مواطنى المدينة المنورة وسكانها ومن المجاورين لقبر النبي صلى اللّه عليه وسلم .
بعض هؤلاء الشحاذين يعملون أئمة في منازل الأعيان . بعد إقامة عامين ، يستثمر هؤلاء الصدقات التي جمعوها في التجارة ، وبذلك يعودون إلى المدينة المنورة وكل واحد منهم يحمل رأسمال كبيرا . لقد شاهدت عددا كبيرا من هؤلاء الشحاذين في القاهرة ، وهم يقيمون في مساكن قريبة من مساكن أولئك الذين كانت تجمعهم بهم معرفة طفيفة في المدينة المنورة ، الأمر الذي جعلهم منفرين ومكروهين من الناس بسبب إلحاحهم المستمر . هناك بعض المدن القليلة جدا في كل من سوريا ، والأناضول ، وتركيا الأوروبية ، التي لا تعرف هذه النوعية من الشحاذين ولا وجود لهم فيها . هذه النوعية من الشحاذين يتعلمون شيئا من اللغة التركية لكي يفيدوا منه في أسفارهم من ناحية والقيام بأعمالهم كمرافقين لمن يزورون المسجد النبوي ؛ هذه النوعية من الشحاذين يفخرون بأنهم قادرون على إقناع الحجاج الأتراك ، بأنهم من الأتراك وليسوا عربا من الجزيرة العربية ، بغض النظر عن مدى حبهم للأتراك .
أهل المدينة المنورة ليسوا أقل بشرا وتهللا من المكيين . وهم يكشفون عن قدر كبير من القسوة والوقار في سلوكياتهم ، لكنهم في هذا الشأن أقل من أتراك الشمال .
وأتراك الشمال من الناحية المظهرية يبدون أكثر تدينا من جيرانهم الجنوبيين . وهم أكثر تشددا في الالتزام بالطقوس الدينية والآداب العامة وهم في المدينة المنورة أكثر منها في مكة ، ومع ذلك فإن أخلاقيات السكان في المدينة المنورة تبدو كأنها في مستوى واحد مع أخلاقيات أهل مكة ( المكرمة ) وسلوكياتهم ، ولا يتورع أهل المدينة المنورة عن اللجوء إلى الحيل وكل الوسائل لخداع الحجاج وغشهم . يزاد على ذلك أن الرذائل
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 169
مساهمون: جان لوئيس بوركهارت
ص١٦٩