تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
التمور هي السلعة الغذائية الوحيدة الرئيسية في المدينة المنورة ، كما سبق أن أوضحت . طوال فترة جنى محصول التمر التي قد تستمر شهرين أو ثلاثة أشهر ( إذ إن لكل نوع من التمور موسمه الخاص ) ، أو بالأحرى من شهر يوليو إلى شهر سبتمبر ، تعيش الطبقات الفقيرة على التمر ولا تأكل أي شئ سواه ، وطوال بقية العام ، تظل التمور المجففة الطعام الرئيسي لهؤلاء السكان . محصول التمر هنا له الأهمية نفسها التي في أوروبا ، وفشل محصول التمر هنا يتسبب في كارثة وبلاء كبير للناس . والبدوي عندما يلاقى إنسانا على الطريق يبادره بالسؤال التالي : " ما هي أسعار التمر في مكة أو المدينة المنورة ؟ " يجرى إحضار كمية كبيرة من هذه التمور إلى المدينة المنورة من مناطق بعيدة ، وبخاصة من الفراع ، والفراع هذا عبارة عن واد خصيب من ممتلكات قبيلة بنى عامر ، وهذا الفراع عامر ببيارات النخيل المتعددة ، وهو يبعد عن المدينة المنورة رحلة مقدارها مسير أربعة أيام ، كما يبعد مسافة كبيرة عن رابغ في وسط الجبال . ويجرى إحضار التمور في أوعية كبيرة يجرى طحن التمور فيها على شكل معجون ، كما سبق أن أوضحت . وعلى الرغم من شيوع المعاملات التجارية ، فإن قلة قليلة من الناس هم الذين يعملون بها . السواد الأعظم من السكان عبارة عن زرّاع ، أو ملاك للأرض في الطبقات الراقية ، وخدم في المسجد النبوي . والناس هنا يقبلون على تملك الأراضي والبساتين ، ومسألة أن يصبح الإنسان هنا من ملاك الأرض ، ينظر الناس إليها باعتبارها شيئا من الشرف ، يزاد على ذلك أن إيجار الحقول يصل إلى مبالغ كبيرة في حال جودة محصول التمر . وإذا جاز لي أن أحكم من واقع مثالين سمعت عنهما ، فإن الحقول يجرى بيعها بطريقة ، تعطى مالك الأرض في السنوات المعتادة ، دخلا يتردد بين اثنى عشر بالمائة وستة عشر بالمائة علاوة على رأس المال ، بعد أن يتنازل - كما هي العادة - عن نصف المحصول للزراع الفعليين . ومع ذلك ، كشفت الحسابات في العام الماضي أن أموالهم عادت عليهم بأرباح مقدارها أربعين في المائة . الطبقات الضعيفة لا تستطيع استثمار رؤوس أموالها الصغيرة في البساتين ، نظرا لأنهم يرون أن ستة عشر في المائة أو عشرين في المائة لا يعد عائدا مناسبا لهم ، وفي الحجاز لا يرضى أصحاب رؤوس الأموال الصغيرة
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 163 | جان لوئيس بوركهارت