تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
وهنا بدأ سكان المدينة المنورة يتضايقون بسبب هذه المسألة ، الأمر الذي جعلهم يقللون من استهلاكهم للقمح إلى أدنى المستويات ، مما جعلهم يستهلكون ما لديهم من مخزونات . كان طوسون باشا قد استولى عنوة على عدد كبير من إبل البدو ، واضطرهم إلى مرافقة جيشه الذي أخافهم ، إلى حد أنه قبل وصول محمد على باشا ، كانت المجاعة على وشك الحدوث بسبب الافتقار الشديد إلى الإبل اللازمة للنقل . حاول الباشا أن يستعيد ثقة الناس به ، ولذلك بدأ بعض البدو يعودون إلى ديارهم ومعهم إبلهم . في زمن السلم تصل قوافل القمح قادمة أيضا من نجد ، وبخاصة المنطقة التي يسمونها القصيم ، لكن هذه القوافل كلها كان يجرى وقفها وتعطيلها ، وقد بلغني أن تجارة نقل التموينات من ينبع كانت قد توقفت سنوات عدة عقب دخول الوهابيين للمدينة المنورة ، التي أراد رئيسها سعود ، محاباة رعاياه من أهل نجد ، كما أن المدينة المنورة ، في ذات الوقت ، كانت تحصل على بعض تمويناتها من نجد من ناحية والبعض الآخر من حقولها الخاصة . كانت السلع التموينية في ذلك الوقت شحيحة وغالية تماما : الأمر الذي حدا بالطبقات الفقيرة إلى الاعتماد في حياتهم على التمر بصفة رئيسية ، وعلى نوع من الخبز الشعبي الذي يصنعونه من دقيق الشعير ، قلة قليلة من الناس هم الذين كانوا يستطيعون الحصول على شئ من الزبد ، والقليل جدا من اللحم . وهذه هي ثمار اللوتس أو بالأحرى ثمار شجرة النبق بعد أن نضجت في بداية شهر مارس ، أغرت أهل المدينة المنورة بالتخلي عن التمر ، والاعتماد عليها غذاء وحيدا طوال أشهر عدة ؛ فقد شاهدت أكواما كبيرة من النبق في السوق ، وباستطاعة أي فرد الحصول على ما يسد رمقه نظير ما ثمنه بنس واحد من القمح ، يقبله الناس بدلا عن النقود ، وبخاصة البدو الذين يجلبون ثمار النبق إلى السوق . يضاف إلى ذلك أن الخضراوات التي يزرعها الناس في البساتين مخصصة لاستعمال الأجانب فقط ، ونكهتها مختلفة تماما ، كما أن العرب لا يستسيغونها ؛ إذ لا يستخدمها سوى أولئك الذين اعتادوا على ذلك المذاق وتلك النكهة في البلدان الأجنبية ، والبصل والكراث وكذلك الثوم هي الخضراوات الوحيدة التي يغرم بها العرب .
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 162 | جان لوئيس بوركهارت