تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
من هذه السلع . عندما وصلت المدينة المنورة ، أول مرة ، لم يكن في السوق أي شئ من الزبد ، وكان سعر القمح أعلى بنسبة خمسين في المائة عنه في ينبع ، ثم يختفى القمح بعد ذلك تماما من السوق ، وفي مرة أخرى اختفى الملح من السوق ، ثم حدث الشئ نفسه مع الفحم النباتى ، واختل نظام سوق التموينات اختلالا كبيرا . في بعض المدن الشرقية الأخرى ، التي من قبيل مكة وجدة ، يجرى تعيين موظف عام ، يسمونه المحتسب ومهمته مراقبة عملية بيع التموينات ؛ مهمة هذا المحتسب تتمثل في منع ارتفاع أسعار المواد الغذائية ، وإلزام التجار بحدود قصوى لا يتعدونها ، وبذلك يحصلون على ربح معقول وليس ربحا مبالغا فيه . لكن هذا ليس هو الحال السائد في المدينة المنورة ، نظرا لأن المحتسب لا سلطة له في هذه المدينة . لذا فإن القمح على سبيل المثال يباع في بعض ضواحى المدينة المنورة بسعر أعلى عشرين في المائة عنه في الضواحي الأخرى ، وهذا الشئ نفسه ينطبق على كثير من السلع الأخرى ، الأمر الذي يتسبب في معاناة الكثيرين جراء عدم معرفتهم لطبيعة الأمور في المدينة المنورة ، طوال مقامي في المدينة المنورة كان الاتصال بينها وبين ينبع عن طريق قافلة قوامها حوالي مائة وخمسين جملا ، كانت تصل إلى المدينة المنورة كل أسبوعين ، كما كانت هناك جماعات صغيرة من التجار البدو ، قوام الواحدة منها يتردد بين خمسة جمال وعشرة جمال ، كانت تصل إلى المدينة المنورة كل خمسة أيام أو ستة . كان القسم الأكبر من حمولة تلك القافلة خاصا بجيش طوسون باشا ، أما القسم الآخر فكان مخصصا للتجارة والسلع التموينية ، التي لم تكن كافية لتلبية احتياجات المدينة كلها . وقد أبلغنى شخص مطلع ، أن استهلاك المدينة المنورة من القمح في اليوم الواحد يتردد بين ثلاثين إردبا وأربعين إردبا ، أي ما يعادل حمولة ما يتردد بين خمسة وعشرين جملا حجازيا وخمسة وثلاثين . ويقال إن إنتاج الحقول المحيطة بالمدينة المنورة ، من القمح لا يكفى سوى استهلاك أربعة أشهر ، أما الجزء المتبقى فيمكن الحصول عليه من ينبع أو عن طريق الاستيراد من مصر . يتوفر القمح في زمن السلم ، لكن بعد تمركز الجيش التركي مؤخرا في هذه المنطقة ، بدأ البدو يتخوفون من وضع زمام إبلهم في أيدي الأتراك ، الأمر الذي أدى إلى انخفاض التوريد إلى أدنى مستوياته .
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 161 | جان لوئيس بوركهارت