تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
بين الحين والآخر ، ويكون مستقلا تماما عن الحكام ، يمكن أن يمنعوا الحكام من ممارسة أي نفوذ لا لزوم له على المحاكم ، ويصبح بوسعهم أيضا تحاشى الأحكام التي يمكن أن تترتب على بقاء قاض في منصبه فترة من الزمن . لكن السلوكيات في الإمبراطورية تغيرت وتباينت عما كانت عليه قبل ثلاثة قرون من الزمن . القاضي حاليا ، في أية مدينة من المدن يكون تحت نفوذ الحاكم مباشرة وسيطرته ، هذا الحاكم يستبد كما يشاء ، شريطة أن يرسل الإعانات التي يتحتم إرسالها إلى الباب العالي ، أو يدفع رشوة للقاضي ، الذي يتقاسمها مع الحاكم ، أو قد يتغاضى عنها الحاكم مقابل أن يراعى القاضي مصالح الحاكم في بعض القضايا الأخرى . وقد ارتفعت أيضا رسوم التقاضى ارتفاعا كبيرا ، ووصلت إلى حد الربع من المبلغ محل التقاضى ، هذا في الوقت الذي تتغاضى فيه المحكمة عن أوضح الحقوق وأجلاها ، إن لم يكن ذلك مدعوما بهبات كثيرة وكبيرة للقاضي من ناحية ، ولمجموعة الموظفين والخدم المحيطين به من الناحية الأخرى . هذه الاضطرابات على مرأى ومسمع من الباب العالي ، هذا يعنى أن منصب القاضي كان يباع لأعلى سعر ، من باب أن القاضي يعرف أنه سيعوض ما دفعه من خلال الأجور الإضافية التي ستحصل عليها إدارته . في تلك البلدان التي يتدافع العرب فيها على المحكمة ، نجد أن القاضي ، الذي جرت العادة ألا يعرف سوى القليل جدا من اللغة العربية ، يكون بين يدي مترجمه ، والمترجم هذا وظيفته دائمة ، وهو الذي يعرف كل قاض من القضاة الجدد بأساليب الرشوة السائدة في المكان ، ويحصل لنفسه على نصيب وافر من حصاد هذه العملية . هذه المظالم السافرة والرشوة المخزية ، التي تحدث في المحاكم وقاعات العدل كل يوم قد تبدو للأوروبى بصفة عامة والإنجليزى بصفة خاصة أمورا لا يصدقها العقل . بذلك يكون قاضى مكة قد لقى مصير إخوانه القضاة في سائر أنحاء الإمبراطورية العثمانية ، عندما أصبح خاضعا لنفوذ الشريف ، الذي أصبحت القضايا كلها تقدم إلى محكمته ، مما أدى إلى تزجية وقته في أشياء وأمور لا نفع منها . لقد
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 288 | جان لوئيس بوركهارت