تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
عن ظهر قلب ، الأمر الذي جعلني أستغنى عن خدماته في هذا الشأن . كان الرجل يجلس دوما معي لتناول الغداء ، وكان يحضر معه سلة صغيرة كان يطلب إلى خادمي أن يملأها بالبسكويت واللحم ، والخضروات أو الفاكهة ويأخذها معه عند الانصراف . وكان يطلب منى كل ثلاثة أيام أو أربعة شيئا من النقود : كان يقول لي : " أنت لم تعطني شيئا ، وإنما الذي أعطاني هو الله سبحانه وتعالى " . وعندما وجدت أنى عاجز عن إيجاد طريقة مناسبة للتخلص من هذا المطوف ، قلت له بمنتهى الصراحة إني لا أريد بعد شيئا من خدماته ، وتلك لغة لم يعتدها الدليل أو المطوف المكي ، وبعد ثلاثة أيام عاد إلىّ ذلك المطوف وكأن شيئا لم يكن ، وطلب منى دولارا . رددت عليه قائلا : " الله لم يحثني أو يحركنى كي أعطيك شيئا ، لو كان الله سبحانه وتعالى يجد ذلك حقا ، لرقق قلبي تجاهك ولدفعنى إلى إعطائك حافظة نقودى كلها " . قال متعجبا : " أندف ذقنى ، إذا لم يرزقك الله فيما بعد بعشرة أمثال ما ستعطينى إياه حاليا " . ورددت عليه أنا بدوري قائلا : " أندف كل شعرة من شعري إن أعطيتك بارة واحدة دون اقتناع منى بأن الله سيجعلها عملا من أعمال إحسانى " . وعندما سمع المطوف ذلك منى هب واقفا وانصرف وهو يقول : " نحن نلجأ إلى الله سبحانه وتعالى من قلوب المتكبرين ، ومن أيدي البخلاء والمقترين " . هؤلاء المطوفين لا يقولون عشر كلمات دون أن يذكروا اسم الله سبحانه وتعالى أو اسم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، تراهم دوما ممسكين بالمسابح في أيديهم ، وتراهم أيضا يتمتمون بالدعاء حتى أثناء الحوار . شخصية المطوف هذه تنطبق على أهل مكة بصفة عامة ، إلى حد أنهم عندما يكونون في القاهرة يستعملون المثل التالي في التعبير عن انتهازية الشحاذ البذىء : " أنت مثل المكي ، تقول : " أعطني ، وأنا سيدك " . كنت بحاجة إلى دليل ( مطوف ) واضطررت بعد ذلك إلى استخدام رجل مسن من أصل تتارى ، توصلت معه ، منذ البداية ، إلى اتفاق ، كنت راضيا عنه تماما . وصل إجمالى ما دفعته في مكة للمطوفين ، وفي أماكن الزيارة ما يقرب من ثلاثمائة وخمسين قرشا ، أي ثلاثين دولارا ، لكني لم أقدم أية هدايا للمسجد أو لأي من العاملين فيه ، لأن