تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
فقد اكتشفت عن طريق البحث الدقيق والتفتيش على الحبل المستخدم في سحب الدلاء إلى أعلى ، اكتشفت أن الطول نفسه لا يتغير في الصباح أو المساء ، هذا يعنى أن طول الحبل إلى أن يصل إلى سطح الماء كان واحدا في الصباح وفي المساء أيضا . وعندما تحريت ذلك الأمر عرفت من رجل نزل البئر في زمن الوهابيين لإصلاح البطانة الداخلية ، أن الماء كان ينساب من قاع البئر ، ومن ثم فإن البئر يجرى مدها بالماء عن طريق نهر تحت الأرض . ماء زمزم ثقيل المذاق ، ويشبه الحليب في لونه في بعض الأحيان ، لكنه عذب فرات تماما ، ويختلف اختلافا تاما عن مياه الآبار المالحة التي تنتشر في سائر أنحاء المدينة . ماء زمزم عندما يسحب إلى أعلى للمرة الأولى ، يكون فاترا وهو في ذلك يشبه مياه كثير من العيون التي في الحجاز . زمزم تمد مكة كلها بالماء ، وليست هناك عائلة واحدة لا تملأ حتى ولو جرة واحدة من ماء زمزم كل يوم ، هذا الماء لا يستخدم إلا للشرب أو الوضوء ، ذلك أن الناس هنا يعتقدون أن استعمال الماء المقدس في غير هذين الغرضين ليس من الدين . كل حاج من الحجاج الذين يذهبون إلى المسجد الحرام لصلاة العشاء توضع أمامه جرة من ماء زمزم ، بواسطة هؤلاء الذين يكسبون عيشهم من خلال تقديم هذه الخدمة . يجرى توزيع ماء زمزم في المسجد على كل من يشعر بالعطش ، وذلك نظير مبلغ جد تافه ، وذلك عن طريق السقائين ، الذين يحملون جرارا كبيرة على ظهورهم ، هؤلاء السقائين يعطيهم الحجاج المحسنون شيئا من النقود ، نظير تقديم ماء زمزم قبل الصلاة أو عقبها . ماء زمزم يعد شفاء للأمراض كلها ، والمؤمنون يعتقدون أنهم كلما أكثروا من شرب ماء زمزم تحسنت صحتهم ، وقبلت دعواتهم عند الله سبحانه وتعالى . لقد رأيت كثيرا من المؤمنين الأتقياء عند بئر زمزم وهم يشربون من مائها كميات لا يصدقها العقل . هذا رجل كان يقيم معي في منزل واحد ، وكان يعاني من حمى متقطعة أو إن شئت فقل حمى رجعية ، كان يذهب كل مساء إلى بئر زمزم ، ويشرب من مائها إلى أن يشرف على الإغماء ، وعقبها كان يرقد على ظهره ساعات بسبب هذه الفعلة ، أقنع نفسه