تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
والوادي المذكور هو الوادي المنسوب لإبراهيم ، صلى اللّه عليه وسلم ، ومجراه على باب الصفا المذكور ، وكان السيل قد خالف مجراه فكان يأتي على المسيل بين الصفا والمروة ويدخل الحرم ، فكان مدّة مدّة بالأمطار يطاف حول الكعبة سبحا . فأمر المهدي ، رحمه اللّه ، برفع موضع في أعلى البلد يسمى رأس الردم ، فمتى جاء السيل عرج عن ذلك الردم إلى مجراه واستمر على باب إبراهيم الموضع الذي يسمى المسفلة ويخرج عن البلد ولا يجري الماء فيه إلا عند نزول ديم المطر الكثير . وهو الوادي الذي عنى صلى اللّه عليه وسلم بقوله حيث حكى اللّه تبارك وتعالى عنه :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
« 1 » ، فسبحان من أبقى له الآيات البيّنات .

ذكر مكة شرفها اللّه تعالى وآثارها الكريمة وأخبارها الشريفة

هي بلدة قد وضعها اللّه ، عز وجل ، بين جبال محدقة بها ، وهي بطن واد مقدس ، كبيرة مستطيلة ، تسع من الخلائق ما لا يحصيه إلا اللّه عز وجل . ولها ثلاثة أبواب : أولها باب المعلى ، ومنه يخرج إلى الجبانة المباركة ، وهي بالموضع الذي يعرف بالحجون . وعن يسار المار إليها جبل في أعلاه ثنية عليها علم شبيه البرج ، يخرج منها إلى طريق المعرة ، وتلك الثنية تعرف بكداء ، وهي التي عنى حسان « 2 » بقوله في شعره :
تثير النّقع موعدها كداء
فقال النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، يوم الفتح : ادخلوا من حيث قال حسان . فدخلوا من تلك الثنية . وهذا الموضع الذي يعرف بالحجون هو الذي عناه الحارث بن مضاض الجرهمي « 3 » بقوله :
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم : الآية 37 . ( 2 ) حسان بن ثابت النصاري ، شاعر الرسول ( ص ) . ( 3 ) الحارث بن مضاض الجرهمي : من ملوك الجاهلية . يقول الزركلي في ( الأعلام ) : وفي أيامه نشطت حركة بني إسرائيل وزحفوا يريدون مكة ، فقاتلهم الحارث فهزمهم .