جرا يتخذون سنة رجمهما بالحجارة حتى علاهما من ذلك جبلان عظيمان .
ثم تسير منها بمقدار ميل وتلقى الزاهر ، وهو مبتنى على جانبي الطريق ، يحتوي على دار وبساتين ، والجميع ملك أحد المكيين ، وقد أحدث في المكان مطاهر وسقاية للمعتمرين . وعلى جانب الطريق دكان مستطيل تصف عليه كيزان « 1 » الماء ومراكن مملوءة للوضوء ، وهي القصاري « 2 » الصغار . وفي الموضع بئر عذبة يملأ منها المطاهر المذكورة فيجد المعتمرون فيها مرفقا كبيرا للطهور والوضوء والشرب . فصاحبها على سبيل معمورة بالأجر والثواب .
وكثير من الناس المتاجرين من يعينه على ما هو بسبيله . وقيل : إن له من ذلك فائدا كبيرا . وعن جانبي الطريق في هذا الموضع ، جبال أربعة : جبلان من هنا ، وجبلان من هنا ، عليها أعلام من الحجارة . وذكر لنا أنها الجبال المباركة التي جعل إبراهيم ، عليه السلام ، عليها أجزاء الطير ثم دعاهن ، حسبما حكى اللّه ، عز وجل ، سؤاله إياه ، جل وتعالى ، أن يريه كيف يحيي الموتى . وحول تلك الجبال الأربعة جبال غيرها ، وقيل : إن التي جعل إبراهيم عليها الطير سبعة منها ، واللّه أعلم .
وعند إجازتك الزاهر المذكور تمر بالوادي المعروف بذي طوى الذي ذكر أن النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، نزل فيه عند دخوله مكة ، وكان ابن عمر ، رضي اللّه عنهما ، يغتسل فيه وحينئذ يدخلها . وحوله آبار تعرف بالشبيكة ؛ وفيه مسجد يقال إنه مسجد إبراهيم ، عليه السلام . فتأمل بركة هذا الطريق ، ومجموع الآيات التي فيه ، والآثار المقدسة التي اكتنفته .
وتجيز الوادي إلى مضيق تخرج منه الأعلام التي وضعت حجزا بين الحل والحرم ، فما دخلها مكة حرم وما خارجها حل . وهي كالأبراج مصفوفة كبارا وصغارا ، واحد بإزاء آخر . وعلى مقربة منه تأخذ ، من أعلى الجبل الذي يعترض عن يمين الطريق ، في التوجه إلى العمرة ، وتشق الطريق إلى أعلى الجبل عن يساره ، ومنه ميقات المعتمرين .
وفيها مساجد مبنية بالحجارة يصلي المعتمرون فيها ويحرمون منها . ومسجد عائشة ،
هامش
( 1 ) الكيزان والأكواز : جمع كوز ، وهو إناء أصغر من الإبريق .
( 2 ) القصاري ( جمع قصرية ) : وعاء صغير لفضلات الجسم ، وهي من العامية .