تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧

نهب الحجاج

وأكثر أهل هذه الجهات الحجازية وسواها فرق وشيع لا دين لهم قد تفرقوا على مذاهب شتى . وهم يعتقدون في الحاج ما لا يعتقد في أهل الذمة ، قد صيروهم من أعظم غلاتهم التي يستغلونها ، ينتهبونهم انتهابا ، ويسببون لاستجلاب ما بأيديهم استجلابا . فالحاج معهم لا يزال في غرامة ومؤونة إلى أن ييسر اللّه رجوعه إلى وطنه . ولولا ما تلافى اللّه به المسلمين في هذه الجهات بصلاح الدين ، لكانوا من الظلم في أمر لا ينادى وليده ولا يلين شديده . فإنه رفع ضرائب المكوس عن الحاج ، وجعل عوض ذلك مالا وطعاما يأمر بتوصيلهما إلى مكثر أمير مكة ، فمتى أبطأت عنهم تلك الوظيفة المترتبة لهم عاد هذا الأمير إلى ترويع الحاج وإظهار تثقيفهم بسبب المكوس . واتفق لنا من ذلك أن وصلنا جدة ، فأمسكنا بها خلال ما خوطب مكثر الأمير المذكور . فورد أمره أن يضمن الحاج بعضهم بعضا ويدخلوا حرم اللّه ، فإن ورد المال والطعام اللذان برسمه من قبل صلاح الدين ، وإلا فهو لا يترك ماله قبل الحاج . هذا لفظه ، كأن حرم اللّه ميراث بيده ، محلل له اكتراؤه من الحاج . فسبحان مغير السنن ومبدلها . والذي جعل له صلاح الدين ، بدلا من مكس الحاج ، ألفا دينار اثنان ، وألفا إردب « 1 » من القمح ، وهو نحو الثمانمائة قفيز « 2 » بالكيل الإشبيلي عندنا ، حاشا إقطاعات أقطعها بصعيد مصر وبجهة اليمن لهم بهذا الرسم المذكور . ولولا مغيب هذا السلطان العادل صلاح الدين بجهة الشام ، في حروب له هناك مع الإفرنج ، لما صدر عن هذا الأمير المذكور ما صدر في جهة الحاج . فأحق بلاد اللّه بأن يطهرها السيف ويغسل أرجاسها وأدناسها بالدماء المسفوكة في سبيل اللّه هذه البلاد الحجازية ، لما هم عليه من حل عرى الإسلام ، واستحلال أموال الحاج ودمائهم . فمن يعتقد من فقهاء أهل الأندلس إسقاط هذه الفريضة عنهم فاعتقاده صحيح ، لهذا السبب وبما يصنع بالحاج مما لا يرتضيه اللّه ، عزّ وجل . فراكب هذا السبيل راكب
هامش
( 1 ) الإردب : مكيال كبير يساوي 24 صاعا . ( 2 ) القفيز مكيال يعادل جزءا صغيرا من الصاع .