تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
بمرسى يعرف بأبحر ، وهو على بعض يوم من جدة ، وهو من أعجب المراسي وضعا ، وذلك أن خليجا من البحر يدخل البر والبر مطيف به من كلتا حافتيه فترسي الجلاب منه في قرارة مكنّة هادئة . فلما كان سحر يوم الاثنين بعده أقلعنا منه على بركة اللّه تعالى بريح فاترة ، واللّه الميسر لا رب سواه . فلما جن الليل أرسينا على مقربة من جدة وهي بمرأى العين منا . وحالت الريح صبيحة يوم الثلاثاء بعده بيننا وبين دخول مرساها . ودخول هذه المراسي صعب المرام ، بسبب كثرة الشعاب والتفافها . وأبصرنا من صنعة هؤلاء الرؤساء والنواتية في التصرف بالجلبة أثناءها أمرا ضخما ، يدخلونها على مضايق ويصرّفونها خلالها تصريف الفارس للجواد الرطب العنان السلس القياد ، ويأتون في ذلك بعجب يضيق الوصف عنه .

النزول في جدة

وفي ظهر يوم الثلاثاء الرابع من شهر ربيع الآخر المذكور ، وهو السادس والعشرون من شهر يوليه ، كان نزولنا بجدة حامدين للّه عز وجل وشاكرين على السلامة والنجاة من هول ما عايناه في تلك الثمانية الأيام طول مقامنا على البحر ، وكانت أهوالا شتى ، عصمنا اللّه منها بفضله وكرمه ، فمنها ما كان يطرأ من البحر واختلاف رياحه وكثرة شعابه المعترضة فيه . ومنها ما كان يطرأ من ضعف عدة المركب واختلالها واقتسامها المرة بعد المرة عند رفع الشراع ، حطه أو جذب مرساة من مراسيه . وربما سنحت الجلبة بأسفلها على شعب من تلك الشعاب أثناء تخللها ، فنسمع لها هدّا « 1 » يؤذن باليأس ، فكنا فيها نموت مرارا ونحيا مرارا . والحمد للّه على ما من به من العصمة وتكفل به من الوقاية والكفاية حمدا يبلغ رضاه ويستهدي المزيد من نعماه ، بعزته وقدرته ، لا إله سواه .
هامش
( 1 ) الهد : الهدم والهدير ، وهو هنا صوت الانجراف والتهشم على الشعاب المرجانية .