تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
وكان نزولنا فيها بدار القائد علي ، وهو صاحب جدة من قبل أمير مكة المذكور ، في صرح من تلك الصروح الخوصية التي يبنونها في أعالي ديارهم ويخرجون منها إلى سطوح يبيتون فيها . وعند احتلالنا جدة المذكورة عاهدنا اللّه ، عز وجل ، سرورا بما أنعم اللّه به من السلامة ، ألا يكون انصرافنا على هذا البحر الملعون ، إلا إن طرأت ضرورة تحول بيننا وبين سواه من الطرق . واللّه ولي الخيرة في جميع ما يقضيه ويسنيه بعزته . وجدة هذه قرية على ساحل البحر المذكور ، أكثر بيوتها أخصاص ، وفيها فنادق مبنية بالحجارة والطين . وفي أعلاها بيوت من الأخصاص كالغرف ، ولها سطوح يستراح فيها بالليل من أذى الحر . وبهذه القرية آثار قديمة تدل على أنها كانت مدينة قديمة ، وأثر سورها المحدق بها باق إلى اليوم . وبها موضع فيه قبة مشيدة عتيقة ، يذكر أنه كان منزل حواء أم البشر ، صلى اللّه عليها ، عند توجهها إلى مكة ، فبني ذلك المبنى عليه تشهيرا لبركته وفضله ، واللّه أعلم بذلك . وفيها مسجد مبارك منسوب إلى عمر بن الخطاب ، رضي اللّه عنه ، ومسجد آخر له ساريتان من خشب الأبنوس ينسب أيضا إليه ، رضي اللّه عنه ، ومنهم من ينسبه إلى هارون الرشيد ، رحمة اللّه عليه . وأكثر سكان هذه البلدة مع ما يليها من الصحراء والجبال أشراف علويون : حسنيون وحسينيون وجعفريون ، رضي اللّه عن سلفهم الكريم . وهم من شظف العيش بحال يتصدع له الجماد إشفاقا ، ويستخدمون أنفسهم في كل مهنة من المهن : من إكراء جمال إن كانت لهم ، أو مبيع لبن أو ماء ، إلى غير ذلك من تمر يلتقطونه أو حطب يحتطبونه . وربما تناول ذلك نساءهم الشريفات بأنفسهن ، فسبحان المقدر لما يشاء . ولا شك أنهم أهل بيت ارتضى اللّه لهم الآخرة ولم يرتض لهم الدنيا . جعلنا اللّه ممن يدين بحب أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . وبخارج هذه البلدة مصانع قديمة تدل على قدم اختطاطها ، ويذكر أنها كانت من مدن الفرس . وبها جباب منقورة في الحجر الصلد ، يتصل بعضها ببعض ، تفوت الإحصاء كثرة . وهي داخل البلد وخارجه ، حتى إنهم يزعمون أن التي خارج البلد ثلاثمائة وستون جبا ، ومثل ذلك داخل البلد . وعاينا نحن جملة كثيرة لا يأخذها الإحصاء . وعجائب الموضوعات كثيرة ، فسبحان المحيط علما بها .
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 56 | ابن جبير