تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
والحاج بسببها لا يحتاجون إلى تزود الماء غير ليلة إسرائهم إليه . فأقمنا بياض يوم الأربعاء المذكور مريحين بالقرين . فلما حان العشي ، رحنا منه محرمين بعمرة ، فأسرينا ليلتنا تلك ، فكان وصولنا مع الفجر قريب الحرم . فنزلنا مرتقبين لانتشار الضوء . ودخلنا مكة ، حرسها اللّه ، في الساعة الأولى من يوم الخميس الثالث عشر لربيع المذكور ، وهو الرابع من شهر أغشت ، على باب العمرة . وكان إسراؤنا تلك الليلة المذكورة ، والبدر قد ألقى على البسيطة شعاعه ، والليل قد كشف عنا قناعه ، والأصوات تصك الآذان بالتلبية من كل مكان ، والألسنة تضج بالدعاء وتبتهل إلى اللّه بالثناء ، فتارة تشتد بالتلبية ، وآونة تتضرع بالأدعية ، فيا لها ليلة كانت في الحسن بيضة العقر ، فهي عروس ليالي العمر وبكر بنيات الدهر ، إلى أن وصلنا ، في الساعة المذكورة من اليوم المذكور ، حرم اللّه العظيم ومبوّأ الخليل إبراهيم . فألفينا الكعبة الحرام عروسا مجلوة مزفوفة إلى جنة الرضوان ، محفوفة بوفود الرحمن ، فطفنا طواف القدوم ، ثم صلينا بالمقام الكريم ، وتعلقنا بأستار الكعبة عند الملتزم ، وهو بين الحجر الأسود والباب ، وهو موضع استجابة الدعوة . ودخلنا قبة زمزم وشربنا من مائها وهو " لما شرب له " كما قال ، صلى اللّه عليه وسلم . ثم سعينا بين الصفا والمروة ، ثم حلقنا وأحللنا . فالحمد للّه الذي كرمنا بالوفادة عليه ، وجعلنا ممن انتهت الدعوة الإبراهيمية إليه ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . وكان نزولنا فيها بدار تعرف بالنسبة إلى الحلال قريبا من الحرم ، ومن باب السدة أحد أبوابه ، في حجرة كثيرة المرافق المسكنية ، مشرفة على الحرم وعلى الكعبة المقدسة .

شهر جمادى الأولى عرفنا اللّه بركته

استهل هلاله ليلة الاثنين الثاني والعشرين لأغشت ، وقد كمل لنا بمكة ، شرفها اللّه تعالى ، ثمانية عشر يوما ، فهلال هذا الشهر أسعد هلال اجتلته أبصارنا فيما سلف من أعمارنا . طلع علينا وقد تبوأنا مقعد الجدار الكريم وحرم اللّه العظيم والقبة التي فيها