تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
فمن بعض الآثار المؤذنة بذلك عندهم أن بين جامع ابن طولون والقاهرة برجين مقتربين عتيقي البناء ، على أحدهما تمثال ناظر جهة المغرب ، وكان على الآخر تمثال ناظر إلى المشرق . فكانوا يرون أن أحدهم إذا سقط ، أنذر بغلبة أهل الجهة التي كان ناظرا إليها على ديار مصر وسواها . وكان من الاتفاق العجيب أن وقع التمثال الناظر إلى المشرق فتلا وقوعه استيلاء الغز على الدولة العبيدية ، وتملكهم ديار مصر وسائر البلاد . وهم الآن متوقعون سقوط التمثال الغربي ، وحدثان ما يؤملونه من ملكة أهله لهم ، إن شاء اللّه . ولم يبق إلا الكائنة السعيدة من تملك الموحدين لهذه البلاد ، فهم يستطلعون بها صبحا جليا ويقطعون بصحتها ، ويرتقبونها ارتقاب الساعة التي لا يمترون في إنجاز وعدها . شاهدنا من ذلك بالإسكندرية ومصر وسواهما ، مشافهة وسماعا ، أمرا غريبا يدل على أن ذلك الأمر العزيز أمر اللّه الحق ودعوته الصدق . ونمي إلينا أن بعض فقهاء هذه البلاد المذكورة وزعمائها قد حبّر خطبا أعدّها للقيام بها بين يدي سيدنا أمير المؤمنين ، أعلى اللّه أمره . وهو يرتقب ذلك اليوم ارتقاب يوم السعادة ، وينتظره انتظار الفرج بالصبر الذي هو عبادة ، واللّه - عز وجل - يبسطها من كلمة ، ويعليها من دعوة ، إنه على ما يشاء قدير .

إلى مكة المكرمة

وفي عشي يوم الثلاثاء الحادي عشر من الشهر المذكور ، وهو الثاني من شهر أغشت ، كان انفصالنا من جدة بعد أن ضمن الحجاج بعضهم بعضا ، وثبتت أسماؤهم في زمام عند قائد جدة علي بن موفق ، حسبما نفذ إليه أمر ذلك من سلطانه صاحب مكة مكثر بن عيسى المذكور . وهذا الرجل ، مكثر ، من ذرية الحسن بن علي - رضوان اللّه عليهما . لكنه ممن يعمل غير صالح ، فليس من أهل سلفه الكريم ، رضي اللّه عنهم . وأسرينا تلك الليلة إلى أن وصلنا القرين مع طلوع الشمس . وهذا الموضع هو منزل الحاج ومحط رحالهم ، ومنه يحرمون وبه يريحون اليوم الذي يصبحونه . فإذا كان في عشية ، رفعوا وأسروا ليلتهم وصبحوا الحرم الشريف ، زاده اللّه تشريفا وتعظيما . والصادرون من الحج ينزلون به أيضا ، ويسرون منه إلى جدة . وبهذا الموضع المذكور بئر معينة عذبة ،
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 59 | ابن جبير