تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
المركب عن طريقه راجعا وراءه ، وتمادى عصوف الرياح واشتدت حلكة الظلمة وعمت الآفاق ، فلم ندر الجهة المقصودة منها ، إلى أن ظهر بعض النجوم فاستدل بها بعض الاستدلال وحط القلع إلى أسفل الدقل ، وهو الصاري . وأقمنا ليلتنا تلك في هول يؤذن باليأس ، وأرانا بحر فرعون بعض أهواله الموصوفة ، إلى أن أتى اللّه بالفرج مقترنا مع الصباح ، فلان قياد الريح وأقشع الغيم وأصحت السماء ، ولاح لنا بر الحجاز على بعد لا نبصر منه إلا بعض جباله ، وهي شرق من جدة ، زعم ربان المركب وهو الرّائس ، أن بين تلك الجبال التي لاحت لنا وبر جدة يومين ، واللّه يسهل لنا كل صعب وييسر لنا كل عسير بعزته وكرمه . فجرينا يومنا ذلك ، وهو يوم الخميس المذكور ، بريح رخاء طيبة ، ثم أرسينا عشية في جزيرة صغيرة في البحر على مقربة من البر المذكور بعد أن لقينا شعابا كثيرة ، يكثر فيها الماء ويضحل علينا ، فتخللنا أثناءها على حذر وتحفظ . وكان الربان بصيرا حاذقا فيها ، فخلصنا اللّه منها ، حتى أرسينا بالجزيرة المذكورة ، ونزلنا إليها وبتنا بها ليلة الجمعة التاسع والعشرين لربيع الأول المذكور ، وأصبح الهواء راكدا والريح غير متنفسة إلا من الجهة التي لا توافقنا فأقمنا بها يوم الجمعة المذكور . فلما كان يوم السبت الموفي ثلاثين تنفست الريح بعض التنفس ، فأقلعنا بذلك النفس ، نسير سيرا رويدا . وسكن البحر حتى خيل لناظره صحن زجاج أزرق . فأقمنا على تلك الحال نرجو لطيف صنع اللّه عز وجل . وهذه الجزيرة تعرف بجزيرة عائقة السفن ، فعصمنا اللّه عز وجل من فأل اسمها المذموم ، وله الحمد والشكر على ذلك .

شهر ربيع الآخر عرفنا اللّه بركته

استهل هلاله ليلة السبت ونحن بالجزيرة المذكورة ولم يظهر تلك الليلة للأبصار بسبب النوء لكن ظهر في الليلة الثانية كبيرا مرتفعا ، فتحققنا إهلاله ليلة السبت المذكور ، وهو الثالث والعشرون من شهر يوليه ، وفي عشي يوم الأحد ثانية أرسينا