تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
عراة ، إلا خرقا يسترون بها عوراتهم ، وأكثرهم لا يسترون . وبالجملة ، فهم أمة لا أخلاق لهم ، ولا جناح على لا عنهم .

مغادرة عيذاب

وفي يوم الاثنين الخامس والعشرين لربيع الأول المذكور ، وهو الثامن عشر من يوليه ، ركبنا الجلبة للعبور إلى جدة . فأقمنا يومنا ذلك بالمرسى لركود الريح ومغيب النواتية . فلما كان صبيحة يوم الثلاثاء ، أقلعنا على بركة اللّه ، عز وجل ، وحسن عونه المأمول . فكانت مدة المقام بعيذاب ، حاشا يوم الاثنين المذكور ، ثلاثة وعشرين يوما محتسبة عند اللّه ، عز وجل ، لشظف العيش وسوء الحال واختلال الصحة لعدم الأغذية الموافقة . وحسبك من بلد ، كل شيء فيه مجلوب حتى الماء ، والعطش أشهى إلى النفس منه . فأقمنا بين هواء يذيب الأجسام وماء يشغل المعدة عن اشتهاء الطعام ، فما ظلم من غني عن هذه البلدة بقوله : " ماء زعاق وجو كله لهب " فالحلول بها من أعظم المكاره التي حف بها السبيل إلى البيت العتيق ، زاده اللّه تشريفا وتكريما ، وأعظم أجور الحجاج على ما يكابدونه ، ولا سيما في تلك البلدة الملعونة . ومما لهج الناس بذكره قبائحها ، حتى يزعموا أن سليمان بن داود ، على نبينا وعليه السلام ، كان اتخذها سجنا للعفارتة ، أراح اللّه الحجاج منها بعمارة السبيل القاصدة إلى بيته الحرام ، وهي السبيل التي من مصر على عقبة أيلة إلى المدينة المقدسة . وهي مسافة قريبة يكون البحر منها يمينا ، وجبل الطور المعظم يسارا ، لكن للإفرنج بمقربة منها حصنا مندوبا يمنع الناس من سلوكه ، واللّه ينصر دينه ويعز كلمته بمنّه . فتمادى سيرنا في البحر يوم الثلاثاء السادس والعشرين لربيع الأول المذكور ويوم الأربعاء بعده بريح فاترة المهب . فلما كان العشاء الآخرة من ليلة الخميس ونحن قد استبشرنا برؤية الطير المحلقة من بر الحجاز ، لمع برق من جهة البر المذكور ، وهي جهة الشرق ، ثم نشأ نوء أظلم له الأفق إلى أن كسا الآفاق كلها ، وهبت ريح شديدة صرفت