تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأسيس الغرب الإسلامي — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
وإشبيلية . وكانت عندئذ إسبانيا تعجّ بالمدن خلافا للمغرب الأوسط والأقصى وأكثر ممّا كانت عليه الحال بإفريقية ، وهذه المدن محصّنة وهو ما يفسّر أنّ الغزو كان يتماثل مع احتلال المدن وأنّ الاتساعية الإسلامية داخل الجزيرة دامت طويلا حتى بعد استتباب الحكم الأموي . كما أنّ هذه الوضعية تفسّر كثرة الانتفاضات العسكرية زمن الولاة كما زمن الأمويين الأوائل ، فهي لا تني تقريبا أبدا . ومن الممكن أنّ هذا النزوع نحو الاستقلالية من طرف القوّاد وعمّال المدن كان استمرارا لنزعة كبراء " الفيزيغوط " لتكوين حكم محلّي أو إمارات صغيرة كما في كلّ أوروبا التي كانت تميل في القرنين الثامن والتاسع م . إلى تفتيت السلطة في مقاطعات جهوية . لكنّ الحكم الإسلامي لم يكن ليقبل بهذا الأمر بسبب إيديولوجيا الطّاعة والجماعة ولأنّه حكم مركزي وعسكري وبيروقراطي أكثر فأكثر ، لأنّ اقتصاده مبني على النّقد وليس على المقايضة كما لدى " الميروفنجيين والكارلوجيين " في الشمال . هنّا المجتمع منفتح ، فلاحي وتجاري وصناعي وهو يحتاج إلى حكم مركزي قويّ وهذا ما سيؤول إليه الأمر في العهد الأموي الأندلسي من بعد وفي العهد الأموي الخليفي آنذاك . فإلى حدود أزمة الثلاثينات بعد المائة ، كانت الشرعية الخليفية مؤكّدة جدا ، فهي المرجع والملاذ وإلّا أكل المقاتلة العرب بعضهم بعضا . فلمّا قفل موسى راجعا إلى القيروان ، خلّف ابنه عبد العزيز واليا على الأندلس بإشبيلية ، كما خلّف ابنه مروان على طنجة ، وعندما ذهب في 95 ه إلى المشرق بأمر من الوليد جعل ابنه عبد اللّه مكانه بإفريقية ، أي أنّه اتّخذ سياسة أسروية في المجال الذي افتتحه وروّضه يعني إفريقية والمغرب والأندلس . لكنّه كان بعيدا عن أن يفكّر في خلع الطّاعة وتكوين إمارة لنفسه وبنيه ، فهذا لم يكن أبدا ممكنا بل كان موسى ضحية التعسّف الخليفي إذ نكبه سليمان أشدّ ما نكبة . وعندما أراد ابنه عبد العزيز في الأندلس خلع الطّاعة انتقاما لأبيه أو طموحا منه ، كان من الهيّن على
تأسيس الغرب الإسلامي — صفحة 201 | هشام جعيط