مصانعة وجه واحد أهون من مصانعة ألف وجه . وبيان ذلك أن اللعين لما تخيل أن عليه من أمر اللّه شيئا من النقص ، فلو قدم طاعة اللّه وآثرها على هواه وسجد لآدم ، فلو قدر أن ما تخيّله صحيح وأن ذلك غضاضة - لكان في جانب ما آتاه من الشر والهوان والصغار جزاء يسيرا واللّه المستعان ؛ فكيف ولو فعل ذلك لكان فيه شرفه وسعادته كما هو عادة اللّه في خلقه : أن من تواضع للّه رفعه !
ومنها : أن الفاجر قد يعطيه اللّه سبحانه كثيرا من القوى والإدراكات .
في العلوم والأعمال حتى في صحة الفراسة كما ذكر عن اللعين حيث تفرس فيهم أن يغويهم إلا المخلصين فصدّق اللّه فراسته في قوله
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
فإن قيل في الحديث « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه » ولا يناقض ما ذكرناه ، بل يدل على أن المؤمن أتم في هذه الخصلة من غيره وأصدق ، كما كان في العلم والإيمان والأعمال والحلم والصبر وغير ذلك ؛ ولو كان للفجار شئ من هذا .
ومنها : الشهادة المعروفة للقاعدة المعروفة في الشريعة أن كل عمل لا يقصد به وجه اللّه فهو باطل ، لاستثنائه المخلصين .
ومنها : الشهادة للقاعدة الثانية ، وهي أن كل عمل على غير اتّباع الرسول غير مقبول ، لقوله في القصة :
اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً
الآية ؛ فقسم الناس إلى قسمين : إلى أهل الجنة وهم الذين اتبعوا الهدى المنزل من اللّه ، وأهل الشقاق والضلال وهم من أعرض عنه .
فانتظمت هذه القصة لهاتين الآيتين العظيمتين اللتين هما من أكبر قواعد الشريعة على الإطلاق ؛ القاعدة الأولى : فيها حديث عمر « إنما الأعمال بالنيات » ، والقاعدة الثانية : فيها حديث عائشة « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ » .