حتى إن أئمة المتكلمين لما ردّوا على الفلاسفة في تأويلهم في آيات الأمر والنهى مثل قولهم : المراد بالصيام كتمان أسرارنا ، والمراد بالحج زيارة مشايخنا ، والمراد بجبريل العقل الفعّال ، وغير ذلك من إفكهم - ردّوا « 1 » عليهم الجواب بأن هذا التفسير خلاف المعروف بالضرورة من دين الإسلام . فقال لهم الفلاسفة : أنتم جحدتم علوّ اللّه في خلقه واستواءه على عرشه ، مع أنه مذكور في الكتب على ألسنة الرسل ، وقد أجمع عليه المسلمون كلهم وغيرهم من أهل الملل ، فكيف يكون تأويلنا تحريفا وتأويلكم صحيحا ؟ فلم يقدر أحد من المتكلمين أن يجيب عن هذا الإبراد .
والمراد أن مذهبهم مع كونه فاسدا في نفسه مخالفا للعقول ، هو أيضا مخالف لدين الإسلام والكتاب والرسول وللسّلف كلّهم ، ويذكرون في كتبهم أنهم مخالفون للسّلف ، ثم مع هذا راجت بدعتهم على العالم والجاهل حتى طبّقت مشارق الأرض ومغاربها .
وأنا أدعوك إلى التفكّر في هذه المسألة ، وذلك أن السلف قد كثر كلامهم وتصانيفهم في أصول الدين وإبطال كلام المتكلمين وتكفيرهم « 2 » . وممن ذكر هذا من متأخري الشافعية : البيهقي ، والبغوىّ ، وإسماعيل التيمي ؛ ومن بعدهم :
كالحافظ الذهبي ؛ وأما متقدّموهم : كابن سريج ، والدّارقطنىّ ، وغيرهما ، فكلّهم على هذا الأمر . ففتش في كتب هؤلاء ، فإن أتيتني بكلمة واحدة أنّ منهم رجلا واحدا لم ينكر على المتكلمين ولم يكفّرهم - فلا تقبل منى شيئا أبدا . ومع هذا كله وظهوره غاية الظهور راج عليكم حتى ادّعيتم أن أهل السنة هم المتكلمون ، واللّه المستعان .
هامش
( 1 ) في المطبوعة 1 : 59 ، والمصورة 1 : 79 « رد » . والتصحيح من الدرر السنية 1 : 26 . وفي المخطوطة : 41 « رد عليهم المتكلمون بأن هذا التفسير . . . » .
( 2 ) في المطبوعة 1 : 59 « وتفكيرهم » .