وقوله : « وإيّاكم ومحدثات الأمور فإنّ كلّ بدعة ضلالة » . والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة أفردت بالتصنيف .
فإني أحبّك ، وقد دعوت لك في صلاتي ، وأتمنّى من قبل هذه المكاتيب أن يهديك اللّه لدينه القيم . ولا يمنعني من مكاتبتك إلا ظنّى أنك لا تقبل ، وتسلك مسلك الأكثر . ولكن لا مانع لما أعطى اللّه ، واللّه لا يتعاظم شيئا أعطاه . وما أحسنك لو تكون في آخر هذا الزمان فاروقا لدين اللّه كعمر رضى اللّه عنه في أوّله ؛ فإنك لو تكون معنا لانتصفنا ممن أغلظ علينا .
وأما هذا الخيال الشيطاني الذي اصطاد به الناس : أنّ من سلك هذا المسلك فقد نسب نفسه للاجتهاد ، وترك الاقتداء بأهل العلم - وزخرفه بأنواع الزخارف ، فليس هذا بكثير من الشيطان وزخارفه ، كما قال تعالى :
يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً
. .
فإن الذي أنا عليه وأدعوكم إليه هو في الحقيقة : الاقتداء بأهل العلم ، فإنهم قد وصّوا الناس بذلك ، ومن أشهرهم كلاما في ذلك إمامكم الشافعىّ ، قال :
لا بدّ أن تجدوا عنى ما يخالف الحديث ، فكلّ ما خالفه فأشهدكم أنى قد رجعت عنه .
وأيضا : أنا في مخالفتي هذا العالم لم أخالفه وحدى ، فإذا اختلفت أنا وشافعىّ مثلا في أبوال مأكول اللّحم ، وقلت : القول بنجاسته يخالف حديث العرنيّين « 1 » ، ويخالف حديث أنس : أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم صلّى في مرابض
هامش
( 1 ) حديث العرنيين : « . . . عن أنس بن مالك أن ناسا من عرينة قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة . فاجتووها [ أي : استوخموها ، أي : لم توافقهم وكرهوها لسقم أصابهم ] فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها . ففعلوا . فصحوا . ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم ، وارتدوا عن الإسلام » .
( صحيح مسلم 3 : 1296 ) .