نوّر اللّه قلبه . والذين يجيزون ذلك أو يوجبونه يدلون بشبه واهية ، لكن أكبر شبههم على الإطلاق : أنّا لسنا من أهل ذلك ، ولا نقدر عليه ، ولا يقدر عليه إلا المجتهد ، وأنا وجدنا آباءنا على أمّة وأنا على آثارهم مهتدون .
ولأهل العلم في إبطال هذه الشبهة ما يحتمل مجلدا ، ومن أوضحه قول اللّه تعالى :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
.
وقد فسّرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حديث عدىّ بهذا الذي أنتم عليه اليوم في الأصول والفروع ، لا أعلمهم يزيدون عليكم مثقال حبّة خردل ؛ بل يبين مصداق قوله : « حذو القذّة بالقذّة » إلى آخره ؛ وكذلك فسّرها المفسرون ، لا أعلم بينهم اختلافا . ومن أحسنه ما قاله أبو العالية : أما إنهم لم يعبدوهم ، ولو أمروهم بذلك ما أطاعوهم ؛ ولكنهم وجدوا كتاب اللّه فقالوا : لا نسبق علماءنا بشئ ، ما أمرونا به ائتمرنا ، وما نهونا عنه انتهينا .
وهذه رسالة لا تحتمل إقامة الدليل ولا جوابا عما يدلى به المخالف ؛ لكن أعرض عليه من نفسي الإنصاف والانقياد للحق ، فإن أردتم الردّ علىّ بعلم وعدل فعندكم كتاب « إعلام الموقّعين » لابن القيّم - عند ابن فيروز في « مشرفة » « 1 » - فقد بسط الكلام فيه على هذا الأصل بسطا كبيرا ، وسرد من شبه أئمتكم ما لا تعرفون أنتم ولا آباؤكم ، وأجاب عنها ، واستدل لها بالدلائل الواضحة القاطعة ، منها : نهى « 2 » اللّه ورسوله عن أمركم هذا بعينه ، وأنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه وصفوه من قبل أن يقع ، وحذّروا الناس منه ، وأخبروا أنه لا يصبر
هامش
( 1 ) مشرفة : اسم مكان ( الدرر السنية : 20 ) .
( 2 ) في المخطوطة : 37 ، والمطبوعة 1 : 53 ، والدرر السنية 1 : 20 « أمر اللّه » والتصحيح من المصورة 1 : 71 .