روى البخاري « 1 » عن أبي واقد الليثي قال : « خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى حنين ، ونحن حديثو عهد بكفر ، وللمشركين سدرة يعكفون حولها ، وينوطون بها أسلحتهم ، يقال لها « ذات أنواط » . فمررنا بسدرة ، فقلنا : يا رسول اللّه اجعل لنا « ذات أنواط » كما لهم « ذات أنواط » . فقال :
اللّه أكبر ، هذا كما قال بنو إسرائيل لموسى :
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
لتركبنّ سنن من كان قبلكم » .
فانظروا رحمكم اللّه أينما وجدتم سدرة يقصدها الناس ، وينوطون بها الخرق ، فهي ذات أنواط ، فاقطعوها . وقال صلى اللّه عليه وسلم « بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس » .
ومعنى هذا أن اللّه لما جاء بالإسلام فكان الرجل - إذا أسلم - في قبيلته غريبا مستخفيا بإسلامه ، قد جفاه العشيرة ، فهو بينهم ذليل خائف ؛ ثم يعود غريبا لكثرة الأهواء المضلّة والمذاهب المختلفة حتى يبقى أهل الحق غرباء في الناس ، لقلّتهم وخوفهم على أنفسهم . وروى البخاري عن أم الدّرداء عن أبي الدّرداء قال : « واللّه ما أعرف فيهم من أمر محمد إلا أنهم يصلّون جميعا » ، وذلك أنه أنكر أكثر أفعال أهل عصره . وقال الزّهرىّ : دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكى ، فقلت : ما يبكيك ؟ فقال : ما أعرف فيهم شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة ، وهذه الصلاة قد ضيّعت .
انتهى كلام الطّرطوشى .
فليتأمل اللبيب هذه الأحاديث ، وفي أي زمان قيلت ، وفي أي مكان ، وهل أنكرها أحد من أهل العلم والفوائد فيها كثيرة ، ولكن مرادي منها ما وقع من الصحابة ، وقول الصادق الصدوق : إنه مثل كلام الذين اختارهم اللّه على العالمين لنبيهم : اجعل لنا إلها . يا عجبا إذا جرى هذا من أولئك السادة
هامش
( 1 ) في هامش المخطوطة : 82 « هذا الحديث لم يروه البخاري وإنما رواه الترمذي وغيره »
( 20 تاريخ نجد )