خزاعة الحكم في مكة ، وقام سيدها ربيعة بن حارثة بالأمر فيها .
وكان بعض بني إسماعيل قد اعتزلوا في فترة الحرب وقبلها أخوالهم من جرهم غير راضين عن أعمالهم في مكة كما أنهم لم يسايروا المغيرين من قحطان أو يناوئوهم بل ظلوا في حيادهم منعزلين حتى إذا استتب الأمر لخزاعة سألوهم السكنى معهم وحولهم فأذنوا لهم .
ولما انتهى أمر مكة إلى عمر بن لحي سيد خزاعة تمنى عليه رئيس حكومة مكة السابق مضاض الجرهمي « 1 » أن يأذن له في السكنى بمكة فأبى عليه ذلك ونادى في قومه من وجد منكم جرهميا قد قارب الحرم فدمه هدر « 2 » .
ونزعت إبل لمضاض تريد مكة بعد جلائه عنها فخرج في طلبها حتى وجد آثارها قد دخلت مكة فمضى إلى الجبال من ناحية أجياد حتى ظهر على أبي قبيس يتبصر الإبل في بطن الوادي فأبصر الإبل تنحر وتؤكل ولا سبيل إليها فخاف ان هبط إلى الوادي أن يقتل ، فولى منصرفا إلى أهله ، وأنشد يقول :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر
ولم يتربع واسطا فجنوبه * إلى المنحنى من ذي الأراكة حاضر
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا * صروف الليالي والجدود العواثر « 3 »
في قصيدة أوردها كثير من المؤرخين ولا أجدني جريئا كل الجرأة في الأخذ بصحة نسبتها إلى مضاض إلا إذا صح لدي ما يثبت أن لغة الجرهميين كانت في مثل هذه الألفاظ السلسة ، ومثل هذه المعاني الواضحة « 4 » .
هامش
( 1 ) هذا هو مضاض الثاني ، الذي تقوض في عهده أمر جرهم . ( ع )
( 2 ) أخبار مكة للأزرقي 1 / 42 وبعدها .
( 3 ) أخبار مكة للأزرقي ج 1 / 49 .
( 4 ) لا نشك في أن لغة قحطان كانت الأم بعد العرب البائدة وان جرهم انتقلت من اليمن بلغتها القحطانية ولكن المعروف أن اللغتين تباعدتا على أثر انفصال جرهم وقد مرت بجرهم احقاب طويلة لا نشك في أنها كانت من أهم العوامل في تطوير الألفاظ والمصطلحات ، يضاف إلى هذا أن مكة بحكم موقعها الديني كانت في حاجة إلى أن تتفاهم مع شتى القبائل بلهجات مختلفة مما ساعد على تطوير لغتها وتهذيب حواشيها واتساع معانيها حتى إذا ورثتها قريش ورثتها فصيحة البيان صالحة للتفاهم مع أكثر قبائل العرب بينما ظلت لغة قحطان في الجنوب تكاد أن تنحصر في الناطقين بها محليا واتسعت ثقافة قريش على