تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ مكة — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
ويلوح ان هبوط مستوى الثروات في مكة في هذا العصر وارتحال أصحاب الفن من المغنيين واللاعبين والمترفين ترك اثره في الحياة العامة فقد انكفأ الأهالي فيها على المنهل الوحيد الذي بقي لهم بين خلقات العلماء ومجالسهم فهيأ ذلك إلى اتجاه تعلموا فيه الزهد والتقشف والرضا والرغبة في ثواب التعلم والتفقه فكانت الحركة العلمية التي أشرنا إليها في صدر بحثنا والتي رأينا أجلة العلماء بسببها يبرزون في التفسير والحديث والافتاء . وتبع هذا ان اشتهرت مكة في هذا العصر بكثير من عبادها وزهادها وبدأ المهاجرون من هذه الطبقة يجدون في مكة مأوى يفرون إليه من زيف الحياة في الأمصار متفيئين بظل الكعبة منقطعين للعبادة حولها وتبع ازدياد المنقطعين وأكثرهم من طبقات فقيرة ان احتشد الفقر باحتشاد هذا الصنف من الناس وبدأ المحسنون يبنون لهم التكايا ويرتبون لهم الصدقات ، وبذلك خطت مكة خطوتها الأولى في هذا العصر نحو العيش في ظل التكايا وقد ظهر أثر ذلك واضحا في العهد العباسي الثاني مما سيأتي ميانه في فصول آتية .

الناحية العمرانية

: لا يستنتج الباحث من مطالعاته فيما كتب عن مكة ان عمرانها اتسع في هذا العهد عما عرفناه في عهد الأمويين أو ان مساحة المأهول فيها توسعت عما كانت بل يجد ان الامر على عكسه وان السكان قل تعدادهم جدا فقد تفرق أبناء مكة في الآفاق واستوطنوا الأراضي المخصبة واتخذوا لهم املاكا في مصر والمغرب والشام والعراق حتى لم يبق في مكة من أهلها إلا أقل من القليل مع من جاورهم من مسلمي الآفاق للتشرف بالجوار وكان من عادة حكام مكة ان ينادي مناديهم بعد أداء الحج « يا غريب بلادك » تقليدا لابن الخطاب لئلا يستأثر المجاورون بثروات البلاد . والذي يبدو ان لثورات العلويين التي تحدثنا عنها في الفصل الخاص بالناحية السياسية وما نتج منها من حروب وفتن أكبر الأثر في اقفار البلاد من
تاريخ مكة — صفحة 155 | أحمد السباعي