حلقاتهم من المسجد فتجد من غزارتهم العلمية ما يروي غلة السائلين والمناظرين .
وكان التشريع في هذا العهد الذي ندرسه قد تطور شأنه في بعض أمصار الإسلام كالعراق وأخذ يتسع لقياس الفقهاء الا أن أمره في مكة والمدينة ظل على حاله لا يحفل الا بالنص الوارد بالسند المتصل إلى المشرع الأعظم صلوات اللّه عليه ، وبذلك تميز النشاط العلمي في مكة والمدينة يومها بعنايته بالمأثور من أقوال النبي صلى اللّه عليه وسلّم وأفعاله في الوقت الذي شاعت فيه شتى المذاهب القائلة بالرأي والآخذة بالقياس والضاربة في آفاق الاجتهاد والتأويل .
الناحية الفنية
: وإذا تركنا هذا المجال في مجامع الفقهاء والعلماء منتقلين إلى أوساط المتظرفين والماجنين واللاعبين وجدنا مكة تعج بترفهم ومجالي الانس كما كان الشأن في العهد الأموي ، كما يرى أن مدى هذا التظرف والفن لم يدم طويلا في العصر الذي ندرسه لان الغنى الذي كان يتمتع به الحجازيون طيلة العهد الأموي وصدرا من العهد العباسي الأول بدأت موارده تنضب بفعل التحول السياسي الذي اقتضته ظروف الحياة في الحجاز فقد كانت سياسة الأمويين كما علمنا فيما سلف تقتضيهم ان يغدقوا على الحجازيين الأموال الطائلة والهبات العظيمة ليشغلوهم بها عن التطلع إلى الخلافة فاثرت مكة من هذه الهبات واثرت المدينة ، وانغمس المترفون منهم فيما انغمسوا ، فلما جاء العباسيون لم يكن لهم هم الا العناية بالفرس مؤسسي دولتهم فتحولت الهبات الحكومية إلى القادة والعظماء من مدن العراق أو خراسان وبذلك ضعف شأن الحجاز بالتدريج وبدأ الفقر يأخذ طريقه إلى بيوتاته المترفة ، ولم يبق لهم من تلك الهبات الطائلة الا نفحات الحجاج من الخلفاء أو العظماء وبعض الصلات اليسيرة ، يضاف إلى هذا ان الحجازيين لم تتحسن علاقاتهم جيدا مع العباسيين فقد كانوا - كما مر بنا - مصدر تعب طويل لاقى العباسيون فيه كثيرا من العناء وبذلوا الكثير في سبيل اخماد ثوراتهم ، ويصح لنا ان نضيف إلى هذه الثورات خروج البدو في خلافة