تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ مكة — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
بغداد وبلغ من تواضعه أن صعد في عام 179 إلى منى فعرفات من مكة ماشيا وشهد جميع المشاهد ماشيا ، وفي هذه السنة حضر العمرة في رمضان ثم ذهب إلى المدينة فبقي بها إلى أن وافى وقت الحج فحج بالناس وهو آخر خليفة حج من بغداد « 1 » وقد ذكروا أنه أول خليفة حمل اليه الثلج إلى مكة « 2 » . وفي بعض حجات الرشيد أخلى له المسعى ليسعى فيه فتعلق ببغلته وهو يسعى عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز وصاح به يا هارون فقال لبيك يا عم قال ارق إلى الصفا فلما رقى قال اعلم أن كل واحد من هذه الخلائق يحاسب عن خاصة نفسه وأما أنت وحدك فتسأل عنهم أجمعين فبكى هارون بكاء شديدا . ثم قال له : وأخرى أقولها لك ان الرجل إذا أساء التصرف في ماله حجر عليه فكيف أنت تسرف في أموال المسلمين وتسيء التصرف فيها وأنت محاسب عليها بين يدي اللّه فازداد بكاؤه وأراد جنده أن يطردوه فكفهم عنه . وبذل الخلفاء الحجاج من الاحسان ما يدل على مبلغ عطفهم على بلاد الحرم فقد أنفق المهدي في سنة 160 ثلاثين مليون درهم و 300 ألف دينار وصلته من مصر ومائتي ألف دينار وصلته من اليمن و 150 الف ثوب . وبلغ عطاء الرشيد في مكة في احدى السنوات التي حج فيها مليونا ونصف مليون دينار « 3 » . ولا يملك المؤرخ الباحث أن يمضي به القلم في هذه الأرقام الضخمة دون أن يسترعي انتباهه ضآلة الفوائد التي كانت تجنيها البلاد من هذه الأرقام على ضخامتها فإن مثل هذا البذل السخي لو أنفق في مرافق للانتاج لظلت آثاره باقية إلى اليوم في ثروة البلاد الانتاجية ولتعودت البلاد شيئا آخر لا يتفق مع قبولها الصدقات والعطايا ولكنهم كانوا لا يأبهون الا بشراء القلوب وارضاء
هامش
( 1 ) شفاء الغرام للفاسي 2 / 125 . ( 2 ) أعتقد انه ثلج طبيعي كانوا يحتفظون به في الأقاليم الباردة بوسائل صناعية وتقدمت صناعة حفظه عندهم حتى استطاعوا أن ينقلوه محفوظا إلى البلاد النائية في معظم شهور السنة . ( 3 ) شفاء الغرام للفاسي .
تاريخ مكة — صفحة 151 | أحمد السباعي