وبالجملة فقد عاش الحجازيون في هذا العهد على أثر خمود حركة ابن الزبير على هامش الحياة السياسية شغل بعضهم الزهد والعبادة والعلم كما شغل الفن ولهوه البعض الآخر ولم يكتفوا بذلك بل عملوا على إشاعة الفن في دمشق تارة وفي اليمن والعراق أخرى فقد استقدم الوليد بن عبد الملك وأخوه يزيد أشهر المغنين من مكة فأشاعوا أصواتهم في الشام « 1 » وفر الغريض من والي مكة إلى اليمن فنشر ألحانه فيها « 2 » وانتقل تلاميذ مسجح في مكة إلى العراق في أواخر عهد الأمويين فشاعت ألحانهم في العراق وكانت لهم مدرسة أخذ عنها فيما بعد اسحق وابن جامع وغيرهم ونزل الأبجر المغني المكي مصر فشاعت ألحان مكة فيها « 3 » واختلط الحجاج من كل جنس بالفن الغنائي بمكة فنقل من طريقهم إلى أكثر أمصار الاسلام وقد ساعد الأمويون على هذا التوجيه بما يسروه لهم من الأسباب حتى خلف الخلف الذي ورث العيش من جوانبه السهلة وألف الأعطيات والصدقات واتكل على ما ينتجه غيره في أمصار أخرى ونسي أن له حقوقا في السياسة العامة والحكم .
ولو جاز لي أن أستبق الحوادث لقلت ان هذا التوجيه الأموي في هذا البلد قلده جميع الحكومات الاسلامية التي تعاقبت على حكم هذا البلد أو الاشراف عليه فقد كانوا بالتتابع يغدقون عطاياهم على الحجازيين ليعيشوا مشغولين بهذه المنح لاهين عن جد الحياة لا هم لهم إلا أن يأكلوا ويطربوا أو يزهدوا فيدعوا لخليفة المسلمين بالنصر ، ولو أرادوا الاخلاص فيما كانوا يمنحون لأبدلوا هذه العطايا بدور علمية يبنونها وأرض موات يحيونها وبيوت صناعية ينشئونها ولكنهم كانوا مغرضين ففي ذمة التاريخ ما ورثنا من تواكل وما نشأنا عليه من فقر وما تعلمناه من استجداء الحجاج والزوار وما فقدناه في تضاعيف ذلك من رجولة وما ضيعناه من مجد نحن أولى المسلمين بتراثه وأحقهم بحقه .
هامش
( 1 ) الأغاني 5 / 109
( 2 ) الأغاني 2 / 398
( 3 ) الأغاني 3 / 346