ولما تغلب إبراهيم باشا المصري على سورية وقصد المعرة ، اراده على النزول عنده ، فأكرم نزله وأحسن وفادته ، ثم قدم اليه طعاما وخشي ان يستصغره الباشا ، ويعده ضربا من الاستخفاف به فقال له : يا مولاي ليس في الحلال الصرف بسطة أكثر من هذا ، ولا يسرك ان نتناول ما تطول اليه أيدينا من أموال الناس ، لنقدم لك ما لذ وطاب من الطعام ، فسر بذلك الباشا ، وضاعف احترام المترجم ووقاره ، وعرف ان هذا الأمر مدبر ، ولم يكن عن شح ، أو فاقة ، وبقي عنده ضيفا مدة طويلة ، وأعجبته المكتبة ، ووضع لها فهرسا بخط يده ، ورتبها وجمع المتفرق منها ، ثم سار إلى حلب .
ولما بلغته القصيدة التي هجاه بها امين ابن المترجم ، أراد الانتقام منه ، وكلف أباه احضار ابنه ، وكان من أمره ما ذكرناه في ترجمة امين .
وكان محمد المترجم شديد النزوع إلى التصوف قوي العارضة حاد الذهن جيد الشعر ، سليم الحافظة ، لا يكاد يغيب عن ذهنه شيء علق به ، طلب ذات يوم كتابا من بعض علماء المعرة ليقرأه في رجب وشعبان ورمضان في دروس العامة فجعل يحاوله في اعطائه من يوم إلى آخر ، فأغضبه ذلك ، وأقسم ألا ينظر في كتاب مدة ثلاثة أشهر . وكان يملي الدروس عن ظهر غيب ، مع كثيرة الرقباء ، وانتظارهم هفوة منه .
أما مؤلفاته فقد سمعت بأشياء كثيرة منها ، ولكن القدر ساقها إلى أبناء عمنا في المعرة ، فحبسوها وبخلوا بها علينا ، وعلى أنفسهم وغيرهم ، فلا هم انتفعوا بها ، ولا فسحوا المجال لغيرهم ان ينتفع بها ، وقد أخبرني والدي رحمه اللّه : انه رأى ديوان شعره بخطه عندهم ، ولكني اطلعت على بديعية وشرحها له ، وعلى بعض ابيات من شعره نظمها في عنفوان شبابه ، وعلى قصة مولد زيف فيها كثيرا مما أورده القصاصون ، مما لا صحة له ، وله الموعظة الحسنة وشرح ( قينا قينا ) ، وهي أنشودة ينشدها الأولاد في لعبة لهم ، وشرح ( يا شميسة اطلعي لي ) وهي
تاريخ معرة النعمان — صفحة 181
مساهمون: محمد سليم الجندي
ص١٨١