فقتلوهم بالحجاز ، والمدينة المنورة ، ومكة المكرمة عن آخرهم « 1 » .
ثم سكن المدينة المنورة اليهود ، وكانوا قبائل شتى نحو خمس وعشرين قبيلة ، وكان سبب سكناهم المدينة المنورة أن ملك الروم حين ظهر على بني إسرائيل وملك الشام خطب ابنة أحد اليهود من نسل سيدنا هارون عليه السلام ، وكانت هذه الفتاة مشهورة بالجمال الخارق ، وبأصالة النسب ، وكان من الثابت في دين اليهود أنهم لا يزوّجون النصارى مطلقا ، فخافوا شره إن منعوه من الزواج ، وعزموا على تنفيذ شريعتهم من عدم الزواج لملك الروم النصراني ، كما عزموا على الفتك به أخذا للثأر منه لما حصل منه لبني قومهم ، فدبروا له فيما بينهم مكيدة محكمة ، ورتبوها ونظموها وحبكوها ، ثم كتبوا له بأن يشرّفهم بنفسه ويحضر إليهم لإنجاز الزواج تنفيذا لرغبته الكريمة . وكان حب الفتاة اليهودية الجميلة قد استولى على قلبه ولبّه ، فعزم على الحضور إليهم بنفسه ، وحمل معه ما لذّ وطاب من فواكه ومأكولات ، ومن نقود كثيرة وملبوسات . فلما وصل إليهم قابلوه أحسن مقابلة ، وأنزلوه وحاشيته في أحسن قصر من قصورهم الجميلة ، ثم فتكوا به وبمن كان معه من حاشية وخدم وأتباع في حفلة
هامش
( 1 ) لقد أفاض الإخباريون عن أول من سكن المدينة ، وعمرها ، وشيد فيها حضارتها . والذي يظهر من الأقوال الخمسة التي ذكرها المؤلف أن رأيا قاطعا لم يثبت في ذلك ، كما أن أكثر الروايات هي أقرب إلى الأساطير منها إلى الحقائق العلمية . وعلى أي حال فالمؤلف معذور في نقله هذه الأخبار على الرغم مما يعوزها من الدقة العلمية ، وذلك لئلا تفقد حلقة في سلسلة بحثه دون ذكر . ولكن خلاصة القول في ذلك أن سكنى المدينة قديم قدم العماليق ، وأن اليهود وفدوا إليها ، وأن كل جماعة كانت تتركز في ناحية من نواحي المدينة . وحينما هاجر الرسول صلى اللّه عليه وسلم إليهم كان سكانها من العرب من الأوس والخزرج ، ومن اليهود قبائل مختلفة . أما معرفة تفاصيل قبائل السكان ، ومصادر هجرتهم فلا يترتب عليه كبير أمر . وقد وردت تفصيلات عن هذا الأمر عند كل من : السمهودي ، وفاء الوفاء 1 / 159 ، وخلاصة الوفاء 1 / 521 - 524 ، وعبد الباسط بدر ، التاريخ الشامل للمدينة المنورة 1 / 29 .