يجعله كل منهما في محفظته ، ويخرجان لإظهار زيارة قبور البقيع ، فيلقيانه بين القبور . وأقاما على ذلك مدة ، فلما قربا من الحجرة الشريفة النبوية أرعدت السماء وأبرقت ، وحصل رجيف عظيم بحيث خيّل انقلاع تلك الجبال ، فقدم السلطان صبيحة تلك الليلة ، واتفق مسكهما واعترافهما فيما اعترفا وظهر حالهما على يديه ، ورأى تأهيل الله له لذلك دون غيره ، فبكى بكاء شديدا ، وأمر بضرب رقابهما . فقتلا تحت الشباك الذي يلي الحجرة الشريفة النبوية ، وهو ما يلي البقيع .
ثم أمر بإحضار رصاص عظيم ، وحفر خندقا عظيما إلى الماء حول الحجرة الشريفة كلها ، وأذيب ذلك الرصاص ، وملئ به الخندق ، فصار حول الحجرة سور رصاصي إلى الماء . ثم عاد إلى ملكه ، وأمر بإضعاف النصارى ، وأمر ألّا يستعمل كافر في عمل من الأعمال ، وأمر مع ذلك بقطع المكوس جميعها . وقد أشار إلى ذلك الجمال المطري باختصار ، ولم يذكر عمل الخندق حول الحجرة الشريفة وسبك الرصاص به ، وقال :
إن السلطان محمود المذكور رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم ثلاث مرات في ليلة واحدة ، وهو يقول في كل مرة : يا محمود ، أنقذني من هذين الشخصين الأشقرين تجاهه . فاستحضر وزيره قبل الصبح فذكر له ذلك ، فقال له : هذا أمر حدث في مدينة النبي صلى اللّه عليه وسلم ليس له غيرك . فتجهز وخرج على عجل بمقدار ألف راحلة وما يتبعها من خيل وغير ذلك حتى دخل المدينة المنورة على غفلة من أهلها والوزير معه ، وزار وجلس في المسجد لا يدري ما يصنع .
وقال له الوزير : أتعرف الشخصين إذا رأيتهما ؟ قال : نعم . فطلب الناس عامة للصدقة ، وفرق عليهم ذهبا كثيرا وفضة ، وقال : لا يبقين أحد بالمدينة إلا جاء . فلم يبق إلا رجلان مجاوران من أهل الأندلس نازلان في الناحية الكائنة في قبلة حجرة النبي صلى اللّه عليه وسلم من خارج المسجد عند دار آل
تاريخ معالم المدينة المنورة قديما وحديثا — صفحة 122
مساهمون: أحمد ياسين الخياري الحسيني المدني
ص١٢٢